فهرس الكتاب

الصفحة 4414 من 9994

ويجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن في صميم الحياة ، عندما يبيّن أن له قيمته الحقيقية الواقعية في كل شأن من شؤون الحياة ، ولعل مثلاً نضربه في شأن الحياة الاجتماعية وقع في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( أن امرأة جاءت تهب نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم- ليتزوجها ، ولم يكن له - عليه الصلاة والسلام - بها حاجة فسكت ،وبقيت المرأة واقفة ، وكان الموقف محرجاً ، فقال رجل: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة ، فكان مخرجاً من هذا الموقف المحرج ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: التمس شيئاً - أي ليكون مهراً - فقال يا رسول الله: لا أجد شيئاً ، قال: التمس ولو خاتماً من حديد ، فذهب وقال: ولا أجد ولا خاتماً من حديد ، فقال - عليه الصلاة والسلام - بعد أن ولّى الرجل: ردّوه عليّ ، ثم قال له هل معك شيءٌ من القرآن ؟ قال: نعم معي سورة كذا وكذا ، قال: اذهب فقد زوجتكها بما معك من القرآن ) .

وسعيد بن المسيّب -رحمه الله - إمام التابعين ، جاءه الخلفاء والأمراء واحداً إثر الآخر يخطبون ابنته ، فردهم ثم زوجّها لأبي وداعة ، تلميذ من تلاميذه .. قرآني سني من أهل العلم والإيمان .. من أهل الفقر في الدنيا ، ومن أهل الغنى في الآخرة . ردّ أولئك وقبل هذا ، بل هو الذي عرض عليه ابنته ثم أخذ بيدها حتى طرق عليه بابه قبل أن يستعد وقبل أن يُهيئ أمور الحياة الدنيا كما يقال ، ثم قال:"خذ زوجتك".

لأنهم كانوا يعرفون المقياس الحقيقي ، بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يربط الأمّة بالقرآن ، ويبيّن فضيلته ومزيته ؛ لتكون القلوب والعقول والأفئدة والأفكار والمناهج والموازيين مرتبطة به في كل شأن من شؤون الحياة يجعل ذلك النبي في أمر قد لا يتصوره الناس ويكون بعيداً عن أذهانهم في غالب الأحوال .

عندما انجلى غبار المعركة يوم أُحد ، وشرع النبي - صلى الله عليه وسلم - في دفن الشهداء ، وكانوا سبعين ، فكان ربما دفن الرجلين والثلاثة في قبرٍ واحد ، فكان إذا جاءوا بالشهداء يسأل عن أيهم أقرأ للقرآن ، فإذا علم به قدّمه قي لحده وفي دفنه إشارة إلى هذه المزية المستمرة إلى بعد الوفاة ، وإلى بعد انقطاع الحياة حينئذٍ كانت الأمة مرتبطة بالقرآن من خلال هذا المنهج النبوي الذي وضحه النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى كان ارتباطهم به ارتباطاً وطيداً وثيقاً ، صورته لنا أحداث السيرة في حياته - عليه الصلاة والسلام - وجسدته مواقف كثيرة من بعد ذلك في حياة الأمة .

فهذا حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر لنا أنه كان يعرف قدوم الأشعريين وهم قوم أبو موسى الأشعري من أهل اليمن بقوله: ( إني لأعلم قدوم الأشعريين - أي إلى المدينة - ومنازلهم بها ولما أرهم ، كانوا يُدوون بالقرآن كدوي النحل في الليل ) . فيعلم النبي - صلى الله عليه وسلم قدومهم .

وننتقل إلى القادسية لنرى سعداً وهو يبعث إلى الفاروق مبشراً بفتح القادسية كتاباً له:"ذهب فلان وفلان من الناس ممن لا تعلمهم والله بهم عالم ،كانوا يدوون بالقرآن بالليل كدوي النحل"وهم - أي في صفوف المعركة وفي وقت الجهاد - ما انشغلوا عنه ، بل كانوا يجدون أنه قوة عزيمتهم ، وأنه حياة قلوبهم ، وأنه بإذن الله - عز وجل - سبب نصرهم ، فكانت الرايات تُعقد وكان مع كل كتيبة قارئ إذا حمي الوطيس وجدّ الجد ، والتحمت الصفوف ، انطلقوا القراء بآيات الأنفال وآيات القرآن ، حتى إذا القلوب تشتعل وإذا النفوس ترتفع همتها وعزيمتها ، وإذا الشوق إلى الشهادة والثبات على دين الله - عز وجل - يكون هو الحكم والفيصل في مثل هذه المعارك الإيمانية الإسلامية .

وهكذا نجد أن صبغة الحياة الإسلامية في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - محورها الأساس ، ونبعها الثرّ الذي لا ينضب ، وخطاها الذي يرجع إليه كل شيء ، ومقياسها الذي يحكم كل شيء هو القرآن الكريم ، فحينما نقول الرجوع إلى القرآن والسنة ؛ فإنما نريد أن نصوّر هذا المعنى كيف كان ، حتى إذا كان عمر -رضي الله عنه- يفعل فعلاً فيأتيه من يعترضه ، ويتلو عليه آية من القرآن ، يطأطئ رأسه ويُذعن ، وكان القرآن حكَماً في كل شيء ، وكان ميزاناً لكل شيء ، وكان محرِّكاً ومقدماً في كل شيء ، هكذا كانت الأمة ، وهكذا ينبغي أن تكون .

نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً ، وأن يجعلنا من أهل القرآن ، من الذين يتلونه حق تلاوته ، ومن الذين يتدبرون في معانيه ، ويعرفون تفسيره ، ويعملون بأحكامه .

الخطبة الثانية

وإن من أعظم التقوى الارتباط بالقرآن الكريم ، والنهل من نهله ، والانتفاع به ، والإكثار من الصلة الدائمة غير المنقطعة به ، تلاوة وحفظاً .. تدبراً وفهماً .. تطبيقاً وعملاً .. نشراً ودعوةً .. جهاداً في سبيل إعلاء كلمة الله ، ونشر آيات القرآن في كل مكان . فنسأل الله - عز وجل - ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت