وإن الذي يتأمل أيها الأخوة تاريخ الأمة يرى أنها متى التفت حول كتابها مثل ذلك الالتفات الذي شرع نهجه وبيّن صورته وأوجد حقيقته رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنها حينئذٍ كانت في مواقع التقدم والريادة والقيادة ، وأنها متى تحللت عُرى ارتباطها بالقرآن ، ومتى لم يكن له عندها قيمة عظيمة كما ينبغي أن يكون ، ومتى كان شيئاً ليس له أثرٌ في واقع الحياة تقويماً أو حُكماً ، أو تأثيراً في النفوس والقلوب أو غير ذلك ؛ فإنها حينئذٍ تكون في أجلى صور ضعفها ، وأعظم صور ذلتها ، وأكثر صور تفرقها حزناً وألماً وهذا الذي ربما نشكو منه في واقع حالنا ، والقرآن حديثه لا ينتهي ، ووصفه عجيبٌ عجب ، وما ذكر الله - عز وجل - في القرآن عن القرآن هو أمر يستدعي منا أن نتنبه له ، وقد يعجب البعض ؛ هل نحن في حاجة إلى أن نعرف القرآن ؟ وأقول: نحن في أمسِّ الحاجة إلى أن نعرفه ، وأن نقدره قدره ، وأن نرى حقيقته فيما كان من سير أسلافنا - رضوان الله عليهم - ، ثم بعد ذلك ننظر ما الواجب على وجه الإجمال والتفصيل تجاه هذا القرآن الكريم ، ليتحقق لنا به العز والنصر والتمكين - بإذن الله سبحانه وتعالى - .
فالله الله في كتاب الله ، والله الله في الصلة بكتاب الله ، والله الله في تطبيق أحكام الله ، فقد كانت الآية واحدة تنزل من السماء فيها حكم الله ، فإذا بالأمة كلها عن بكرة أبيها تستجيب استجابة واحدة في لحظة دون تأخر ولا تلكأ ولا إبطاء ..كما ورد في حديث أنس في تحريم الخمر لما جاءوا بها ، فإذا هناك من مجّها ، وهناك من قذف ما في كأسه ، وهناك من كسر الدنانة ، وهناك ... ، ثم لم يأت الصباح حتى كان أمر الخمر قد انتهى من النفوس والقلوب قبل أن ينتهي من الأيدي والأفواه .
وكذلك لما قالت عائشة - رضي الله عنها - تثني على نساء الأنصار:"رحم الله نساء الأنصار لما نزلت آية الحجاب عمدن إلى مروطهن فشققنها ثم ائتزرن بنصفها ، واعتجرن بنصفها ، فما أصبح الصباح إلا وعلى أمثال رؤوسهن كالغربان مما أسدلن من الحجاب . هكذا تكون أمة الإسلام هي أمة القرآن ."
نسأل الله - عز وجل - أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً ، ونسأله - سبحانه وتعالى - أن يحيي قلوبنا بالقرآن ، وأن ينير بصائرنا بالقرآن ، وأن يقوّم سلوكنا على منهج القرآن ، ونسأله - سبحانه وتعالى - أن يجعلنا ممن يحفظونه ويرتلونه ويتدبرونه ويفهمونه ويعملون به .