ومن حفظ العبد ربه أن يحفظه في سمعه فلا يستمع إلى ما يغضب الله من الأغاني الماجنة والموسيقى المحرمة، وأن يحفظه في بصره فلا ينظر إلى المحرمات وأن يحفظه في بطنه فلا يُدْخِل في جوفه مالاً محرمًا أو به شبهة، وأن يحفظه في لسانه فلا يتكلم بما يغضب الله من الغيبة والنميمة والكذب والخوض في الباطل والكلام في أعراض الناس وسائر الآفات، وأن يحفظه في فرجه وسائر جوارحه، وأن يستعملها في طاعة الله قبل أن تشهد عليه يوم القيامة، قال تعالى: يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون [النور:24] ، فإذا حفظ العبد ربه حفظه الله جل وعلا، ويكون ذلك بأمرين:
1-حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله، وحفظه من مكر الأعداء وكيد الطغاة، وحفظه من شر الدواب والسباع، بل وتسخيرها له.
2-حفظه سبحانه وتعالى لعبده في دينه وإيمانه، فيحفظه من البدع المضلة والشبهات المردية والشهوات المحرمة، وأن يحفظ عليه دينه عند الموت فيتوفاه على الإسلام.
ومن الأدب مع الله سبحانه وتعالى: ألا يسأل العبد أحدًا، ولا يستعين بأحد سوى الله، كما في الحديث السابق: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» ، فهو الذي يجيبه إذا دعاه، ويعطيه إذا سأله، ويغفر له إذا استغفره، ويعينه إذا استعان به: أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون [النمل: 62] .
فإذا كان هو الذي بيده كشف الضر عنك فلماذا تنساه وتهجره، وتتركه إلى غيره؟!
فإذا شكوت الحاجة، فالجأ إلى الغني الذي بيده خزائن السموات والأرض، فهو وحده الذي يعطي ويمنع، ويصل ويقطع، فإذا جافاك العز، وابتدرك الذل، فاطرق باب العزيز.
ومن الأدب مع الله سبحانه وتعالى: أن يحسن العبد الظن بربه جل وعلا، وهو أدب عظيم ينبغي للعبد المؤمن ألا يغفله، فهو من تمام العبادة، وقد أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل» . [رواه مسلم] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إليَّ شبرًا، تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إليَّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» . [رواه البخاري ومسلم]
بل إن من أعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به سبحانه، لأن من يفعل ذلك يناقض أسماء الله وصفاته بما فيها من الجمال والجلال والكمال ولهذا توعد عليه، فقال سبحانه: عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا [الفتح: 6] ، وقال: وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم [فصلت:23] .
ومن الأدب مع الله سبحانه وتعالى: الرضا عنه والتسليم لقضائه، فالرضا عن الله جنة الدنيا ومستراح العابدين، وهذا هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لما أُدخل السجن، كان يقول: ماذا يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أينما رحت فهي معي، إن معي كتاب الله وسنة نبيه، إن قتلوني فقتلي شهادة، وإن نفوني فَنَفْيِي سياحة، وإن سجنوني فسجني خلوة مع ربي، فالمحبوس من حُبس عن ربه وإن الأسير من أسره هواه. وكان رحمه الله وطيب ثراه يردد ذلك رضا بقضاء الله وقدره.
ومن الأدب مع الله سبحانه وتعالى: العمل بكتابه، والتحاكم إلى شرعه:
قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم [الحجرات: 1] ، وقال أيضًا: كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد [إبراهيم: 1] ، ومن سوء الأدب مع الله جل وعلا، ترك التحاكم إلى شرع الله، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «خمس بخمس: ما نقض قوم العهد إلا سُلِط عليهم عدوهم، وما حَكَموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا المكيال إلا مُنِعُوا النبات وأُخِذُوا بالسنين، ولا مَنَعوا الزكاة إلا حُبس عنهم القطر» .
[صحيح الجامع برقم:3240]
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حدُّ يُعْمَل في الأرض خير لأهل الأرض من أن يُمطروا أربعين صباحًا» .
[صحيح الجامع برقم:3130]
فالبعد عن القرآن وأحكامه تخلفٌ وانحطاط، والعمل بالقرآن شرف وعلو، قال تعالى: وإنه لذكر لك ولقومك [الزخرف:44] .