فهرس الكتاب

الصفحة 7768 من 9994

أيها الأخ الكريم، إليك أهم الأسباب والأسلحة التي بها تبلغ هدفك وتدرك غايتك .

أولاً: حسن الصلة بالله .

أيها المسلم، كيف يمكن أن يثبت الإنسان على الطريق، والعلاقة بينه وبين ربه خراب، والحبال مبتورة، كيف يثبت مَنْ باع دينه واشترى دنياه، كيف يثبت من أسرف على نفسه وقطع الصلة مع ربه، يا هذا أما سألت نفسك، من الحافظ؟ إنه الله، من الهادي؟ إنه الله، من بيده قلوب العباد؟ إنه الله، يا عبد الله، احفظ الله يحفظك، (...فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين) [ يوسف:64] .

معاشر الفضلاء، لابد من تعاهد هذه الصلة حتى تحسن العلاقة، وتكون أهلاً لنصر الله ومعيته: ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) [النحل: 128] ، (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة .. ) [ إبراهيم: 27] ، يقول ابن القيم: (( وتحت هذه الآية كنز عظيم من وفق إليه ... وأحسن استخراجه فقد غنم ومن حرمه فقد حرم ) ).

عباد الله، إن من زاغ قلبه عن ربه فقد زاغ عن الطريق: ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ...) [ الصف: 5] ، لكن إذا آمنوا واتقوا ثبتهم الله، لأن الإيمان هو عنوان العلاقة بين العبد وربه وهو مقياسها، يسأل هرقل أبا سفيان عن أصحاب رسول الله فيقول: (( هل يرتدُ منهم أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه قال لا: قال هرقل: وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشتُهُ القلوب ) )رواه البخاري، ومما يزيد هذا الصلة ويقويها المبادرةُ إلى الطاعات والإكثارُ من النوافل والعبادات والمجاهدةُ في ذلك: ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) [ العنكبوت: 69] ، وتلك هي الغاية وذلك هو الهدف .

ثانياً: تدبر القرآن .

هذا القرآن الذي هو حبل الله المتين، وهو الهداية لمن طلبها، ما بالنا عنه معرضون لا نقرؤه إلا قليلاً، ولا نتدبره إلا نزراً، نمر على آياته فكأنها لا تعنينا، ونردد أوامره وكأننا غيرُ مخاطبين بها .

فيا من أراد الثبات، عليك بالقرآن أعطه حقَّه، وأوله العناية المستحقَّة، تعلم قراءته، ورتل آياته، وتدبر معانيَه، ونفِّذْ أوامره، واجتنب نواهيه، وتمعن في قصصه يحصل لك الثبات وتبتعدْ عن غوائل الشيطان، قال الله تعالى لنبيه: ( وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ) [ الفرقان: 32] .

ثالثاً: الدعاء .

وهو السلاح الأمضى، والعامل الأقوى، كم ثبت نفساً متزعزعة، وكم رد إلى الطريق قلباً شارداً، لأن فيه التَّنَصلَ الكاملَ من الحولِ والقوةِ، والاعترافَ بها لله القادر سبحانه.

انظر يا عبد الله، كيف يعلمنا رسول الهدى هذا السبيل، هاهو صلى الله عليه وسلم يكثر في دعائه يقول: (( اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ) )رواه أحمد وإسناده حسن كما قال الهيثمي، ويقول صلى الله عليه وسلم: (( اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد ) )، وكان يقول: (( … رب اجعلني لك شكاراً، لك ذكاراً، لك رهاباً، لك طواعاً، لك أواهاً منيباً، رب تقبل توبتي واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، وسدد لساني، واهد قلبي، واسلل سخيمة صدري ) )رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وروى الطبراني والحاكم وقال الهيثمي إسناده حسن، أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الإيمان يخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم ) ).

فيا عبد الله، إذا ألمت بك ملمة، أو أحسست بحياد عن الطريق، أو ضعف في الإيمان، أو ركون إلى معصية، فعليك بالدعاء ردد دائماً: (( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب ) (( ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا ) ).

رابعاً: صحبة الصالحين:

عباد الله، إن للإنسان من صاحبه نصيباً في كل شئ حتى في دينه، فقد يزيد الإيمان بسبب الصحبة الصالحة، وقد ينقص بسبب الطغمة الفاسدة، قد يختل المرء في سيره فيسنده صاحبه الصالح ويدُلهُُ على الطريق، كيف لا وقد ربط رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصحبة والديانة فقال: (( المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ) )، وقال عليه الصلاة والسلام كما عند أبي داود: (( المؤمن أخو المؤمن يلف عليه صنيعته، ويحوطُه من ورائه ) ).

وانظر رعاك الله إلى موسى عليه السلام ماذا طلب عندما أرسله ربه إلى فرعون، لقد طلب مُعيناً صالحاً: ( واجعل لي وزيرا من أهلي . هارون أخي . اشدد به أزري . وأشركه في أمري . كي نسبحك كثيرا. ونذكرك كثيرا ) [ طه: 29-34] ، وهذا هو الإمام أحمد وهو من هو في يوم المحنة بفتنة خلق القرآن يساق إلى السجن فيقول له محمد بن نوح: (( يا أبا عبد الله، اللهَ اللهَ، إنك لست مثلي أنت رجل يُقتدى به، قد مد الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك، فاتق الله واثبت لأمر الله، فثبت الإمام أحمد ولم يجبهم إلى القول بخلق القرآن ) ).

يا عبد الله، صحبة الأخيار رافد لا تستطيع الاستغناء عنه في سيرك إلى الله، والصالحون لن يصيبك منهم إلا الخير، فهم كبائعي المسك، انظر رعاك الله إلى كلبٍ صحبَ بعض الصالحين فذكر بسببهم في القرآن إلى يوم القيامة (...وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ...) [ الكهف: 18] ، فكيف بصاحب يصحب الصالحين، وصحبة الصالحين قد تكون بمرافقتهم، والمشي معهم، وقد تكون بقراءة تاريخهم، وتمثل سيرهم، ففي ذلك أكبر الأثر في الثبات قال تعالى: ( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك… ) [ هود: 120] ، إذا كان هذا في حق الرسول الكريم فكيف بحالنا نحن، لابد أن نطَّلِعَ على سير العظماء والنجباء، وننهل من سيرهم العطرة، ونربي أنفسنا وأولادنا على أخلاقهم العالية، وعبادتِهم العظيمة، وصبرهم الجميل:

أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة

أولئك الأعلام العالمون العاملون هم القدوة:

أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جريرُ المجامع

أما أن ننخلع من سيرتهم، ولا نعرف عنهم شيئاً، ثم نرتبط برموز وضيعة، وأبطال مزيفين، فهذا الذي يزيد الوهن وهناً .

أعمى يقود بصيراً لا أبا لكم ... قد ضل من كانت العميان تهديه

خامساً: التوسط والقصد في العبادة .

فلا إفراط ولا تفريط، والتوسط والاعتدال أمر مطلوب شرعاً، وبالتوازن تسيرُ السفينة، ويحصل المطلوب، يقول عليه الصلاة والسلام: (( عليكم من الأعمال ما تطيقون فوالله لا يمل اللهُ حتى تملوا ) )رواه البخاري، وقال عليه الصلاة والسلام: (( أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل ) )رواه البخاري، وقال عليه الصلاة والسلام: (( إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ) )رواه البخاري.

سادساً: طلب العلم .

قال تعالى: (... إنما يخشى الله من عباده العلماء ...) [ فاطر: 18] ، ويقول سبحانه: ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب...) [ الزمر: 9] .

أخي الكريم، كيف يمكن أن تتقدم في سيرك إلى الله، وأنت تجهل الطريق، وتجهل الثواب، وتجهل الحكم، كيف تثبت أمام الشُّبهات والشهوات، وأنت لا تدرك الخطر، ولا حجم الضرر، كثيرون هم الذين يعترفون بعد فوات الأوان، ويقولون كنا نجهل هذا، كنا لا نعلم حجم الخسارة، ولا فداحة الخطر، فبادر من الآن، وتعلم واقرأ واسمع واحرص على طلب المزيد حتى تسير إلى الله على نور .

سابعاً: علو الهمة ونبلُ القصد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت