فهرس الكتاب

الصفحة 7769 من 9994

عباد الله، لاشك أن همَّةً تنظر إلى العلو وترمق الآخرة، غيرُ همة تنظر إلى السفل وتتعلق بسفاسف الأمور، شتان بين الهمتين، يقول ابن القيم، (( لله در الهمم ما أعظم شأنها فهمم حائمة حول العرش، وهمم دائرة حول الأنتان والحش ) )، والإنسان أبداً يسير بحسب همته، فمن كان يرجو الفوز بالجنة، ومقصده رضوان الله لاشك أنه لن يفتر ولن يقف: ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) [ الحجر: 99] ، وعلامة الهمة العالية والشرف الأسمى، الجدية في العمل والزهد في الدنيا، لذا لما علت همة عمر بن عبد العزيز رحمه الله على الدنيا ورنت عينه إلى الآخرة، زهد في ملذات الدنيا وأنواع نعيمها:

وإذا كانت النفوس كباراً ... تعبت في مرادها الأجسام

أما داني الهمة فسيبقى يقوم ويقعد، ويمشي ويقع، يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، يكثر من الأماني، ويستحب النوم ثم يطلب الدرجات العالية هيهات هيهات:

أ أبيت سهران الدجى وتبيته ... نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي

وعلى قدر الهمة تكون النتيجة، ولاشك أن الجنة غالية، وتحتاج إلى تشمير وجد وعمل، تحتاج إلى يقظة خلال الطريق حتى يسلم صاحبها من العوارض:

ومن يتهيب صعود الجبال ... يعش أبد الدهر بين الحفر

ثامناً: استشعار عظمة الله ومراقبته .

عباد الله، لو قدر الخلق ربهم حق قدره ما تقاعسوا في عبادتهم ولا كفر به أحد، ولكن ( وما قدروا الله حق قدره) [ الحج: 74] ، وأنت أيها المسلم إذا دعتك النفس إلى الانحراف، وأغراك الصديق به، أو وسوس الشيطان به إليك، فتذكر عظمة الخالق سبحانه، وأنك أحد عبيده وبعض خلقه، وأن جميع أمرك بيده، وفي السماوات والأرضين شاهد على عظيم خلقه،وفي الجبال والبحار وأمم المخلوقات دليل على باهر صنيعه، فكيف بعد هذا تغلق عينيك، أو يلهو قلبك عن ذكره وشكره وحسن عبادته .

تاسعاً: محاسبة النفس والخوف من الانتكاسة .

عباد الله، إن التاجر الحصيف هو الذي يُقيمّ أعمالَهُ ويعرف حجم خسارته وقدر ربحه فما بالنا لانفعل فعل هذا التاجر؟ أين المحاسبة الحقيقية، وأين التقييم الصحيح؟ كيف لإنسان أن يصحح مساره وهو لا يعلم أنه على خطأ، وكيف يزداد من الطاعة وهو لا يخاف على نفسه من سوء الخاتمة؟ وقد قيل من أكثر من ذكر الموت أكرم بثلاثة: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، وهي كما ترى أخي المبارك مسارات للتصحيح، أما من نسي الموت فيعاقب بثلاثة: تسويف التوبة، وترك الرضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة، فمن أراد المزيد والنشاط في العبادة، والاستمرار في الاستقامة، فليحترق قلبه خوفاً من سوء النهاية، يدخل الحسن البصري على مريض يحتضر فينظر إلى ما يجد من سكرات الموت وكربته وشدائده، فيرجع إلى أهله بغير اللون الذي ذهب به، فيقولون له الطعام يرحمك الله: فيقول: يا أهلاه عليكم بطعامكم وشرابكم، والله لقد رأيت اليوم مصرعاً لا أزال أعمل حتى ألقاه .

عاشراً: الثقة بنصر الله .

عباد الله، بعض الناس يتخلخل كيانه، ويضعف إيمانه إذا رأى المحن تتوالى على الأمة المسلمة، فيصاب بيأس من ظهور هذا الدين، وقنوط من شيوع شرع الله، فيتدنى مستواه ويخبط في أعماله، فيا من هذه حاله، اعلم أنه مهما احلولكت الظلم، فلابد من بزوغ النهار، ومهما ران الذل على القلوب فلابد من الثقة بنصر الله.

والليل إن تشتد ظلمته ... فهذا الفجر قد لاح

واعلم أيها المسلم، أنه رغم كلِ ما يدور في خلدك إلا أن المستقبل لهذا الدين: ( قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ) [ الأعراف:128] ، وبشائر النصر كثيرة، منها قول الحبيب صلى الله عليه وسلم عندما سئل أي المدينتين تفتح أولاً: القسطنطينية أو رومية قال: (( مدينة هرقل تفتح أولاً يعني القسطنطينية ) )رواه أحمد ورجاله ثقات .

وقد تحقق فتح القسطنطينية بعد ما يزيد على سبعمائة سنة، ونحن ننتظر فتح، روما ولابد أن تفتح إن شاء الله، فلابد من هذه الثقة المطلقة ولابد من قطع طريق اليأس حتى لا تلين القناة وتخبو الجذوة، ويضعف الإيمان .

عباد الله، أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية

أما بعد:

فإليك أخي الكريم صوراً من الثبات رائعة، مقتطفة من تاريخنا الطويل تشحذ الهمم وتقوي العزائم . هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلك معه الأعداء طريق الإغراء بالمال والرئاسة والجاه ليترك دعوته، فما استكان وما خضع، وسلكوا معه طريق الضغط العائلي، والتأثير العاطفي فما استكان وما خضع، وسلكوا معه طريق المقاطعة الاقتصادية فما لان ولا خضع، ثم هددوا وقرروا اغتياله فما لان ولا خضع .

وللثبات عند الموت ميزة أخرى لأنه نهاية المطاف الدنيوي وقد توالت قصص التباين في تلك الساعة، لما حضرت الوفاةُ عمرَ بن عبد العزيز قال أجلسوني فأجلسوه فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلا الله، وقد سمعته زوجته فاطمة يردد: ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) ثم مات رحمه الله .

ولما حضرت بلالاً الوفاة قالت امرأته: واحزناه، قال بل واطرباه غداً نلقى الأحبة، محمداً وحزبه .

ولما طعن حرام بن ملحان رضي اللع عنه بالرمح، ورأى الدم قال: الله أكبر فزت ورب الكعبة .

ولما شارف معاذ رضي الله عنه على الموت قال: مرحباً بالموت، مرحباً زائراً مغيبٌ حبيبٌ جاء على فاقة، اللهم إني كنت أخافك فأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا والبقاء فيها لكري الأنهار، ولا لغرس الأشجار ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر .

ولما احتضر عبد الله بن المبارك فتح عينيه وضحك وقال: لمثل هذا فليعمل العاملون ثم مات، ولما احتضر أبو بكر بن عياش بكت أخته فقال لها لا تبكي وانظري إلى هذه الزاوية، فقد ختم أخوك فيها القرآن ثمانية عشر ألف ختمة، ودخل المزني على الشافعي وهو يجود بنفسه فقال كيف أصبحت يا أبا عبد الله قال: أصبحت من الدنيا راحلاً، وللإخوان مفارقاً، ولسوء عملي ملاقيا، ولكأس المنايا شارباً، وعلى الله وارداً، ولا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها أم إلى النار فأعزيها ثم قال:

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت الرجا مني لعفوك سلما

تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما

فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل ... تجود وتعفو منةً وتكرماً

اللهم أحينا حياة السعداء، وارزقنا ميتة الشهداء، واحشرنا يوم القيامة مع الصالحين والأنبياء .

عباد الله ،صلوا وسلموا على الرحمة المهداة ، والنعمة المسداة محمد بن عبد الله، كما أمركم بذلك الله ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً) [الأحزاب:56] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت