فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
هذه هي الحقيقة، وما أجمل ما قاله سلمة بن دينار أبو حازم رضي الله عنه، يوم زاره سليمان بن عبد الملك أحد خلفاء بني أمية، جلس إليه جلسة التلميذ بين يدي أستاذه، بل المريد بين يدي شيخه، قال له فيما قال: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم عمَّرتم دنياكم، وخرَّبتم آخرتكم، فكرهتم أن تنتقلوا من دار عمار إلى دار خراب. قال له: كيف القدوم على الله؟ فقال له: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيءُ فكالعبد الآبق - أي الفار - يُجَرُّ إلى مولاه.
داليا
الموضوع ... العقيدة
العنوان ... هاجس الموت يطاردني في الأحلام
السؤال ...
أنا سيدة أبلغ من العمر 28 عاما ، أنتابنى العام الماضي إحساس رهيب بأن مكروها سيحدث لي أو لزوجي ، كما كنت أتخيل قبل النوم أحداث الوفاة بتفاصيل العزاء وغيره، وبالفعل توفى زوجي أثناء عمله . وأنا الآن في نفس التوقيت يسيطر على إحساس الموت بطريقة بشعة وأحلم أحلاما كثيرة لها نفس المدلول، حيث رأيت أن جارة لي في نفس الطابق توفيت، وكذلك أنني أرتدي فستان عرس . ويقولون إن تفسير هذه الأحلام دليل الموت .هذا الإحساس يكاد يطاردني مطاردة الأشباح حتى أنني أخشى النوم ؟أخاف من الموت خوفا شديدا خصوصا بعد وفاه زوجي ، وأخشي موت أي فرد من أفراد أسرتي؟ فهل تشير هذه الأحلام على موتي قريبا أو موت أحد أفراد أسرتي أم لا؟ وماذا أفعل كي لا أنشغل بهذه الهواجس ؟
المستشار ... الأستاذ مسعود صبري
الرد
بسم الله، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:
الأخت الفاضلة:
من الطبيعي أن يخاف الإنسان الموت ، وأن يفر بعيدا عنه ، فتلك طبيعة بشرية جبل عليها الإنسان ، فحب الحياة من الغرائز المفطورة في نفوس البشر.
ولكن من رحمة الله تعالى أن جعل علم الموت خاصا به ، لا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى ، قال تعالى: { إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت } (لقمان:34) .
وكم من الأطباء قالوا لمرضاهم: لن تعيش أكثر من كذا يوم أو كذا شهر ، لحسابات طبية محسوسة معلومة ، ولكن الله تعالى يقضى شيئا آخر.
وكما قال الشاعر:
وكم من صحيح مات من غير علة وكم من سقيم عاش حينا من الدهر
فإن كانت التنبؤات الطبية تكذب ، فمن باب أولى أن تكذب الهواجس النفسية ، لأنه لا دليل عليها من عقل أو دين .
وما حدث لك ما هو إلا شيء قدره الله تعالى ، فصادف ما فكرت فيه ، وشعرت به ، ولعل هذا ابتلاء من الله تعالى .
ومن الواجب أن يسلم المسلم لأمر الله تعالى وقدره ، وأن يعلم أن الغيب لا يعلمه إلا هو، كما قال تعالى على لسان رسوله: { ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} ( الأعراف: 188) .
وإن زاد هذا الشعور في السيطرة عليك ؛ سيؤدي بك إلى القنوط من رحمة الله ، والاستسلام لليأس ، وكلها أمور نهى عنها الشرع ، بل يلفت أنظارنا قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا قامت القيامة وفي يد أحد فسيلة فإن استطاع أن يزرعها فليزرعها"ليبث الأمل في نفوس أمته، فماذا يجدي زرع الفسيلة - وهي النخلة الصغيرة - والناس سيحشرون إلى ربهم .
فالواجب عليك طرد هذه الوساوس ، وأن تعيشي حياتك كبقية البشر حياة طبيعية ، فالموت لا يشترط فيه أن يسبق بإذن ، {فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} (الأعراف:34) .
كما على المسلم أن يصبر لقضاء الله تعالى وقدره ، وأن يتقبله بصدر رحب ، وبرضا ، فمن صبر ورضي ، رضي الله عنه ، ومن سخط فله السخط .
وقد عالج الإسلام الخوف من الموت ، بالاستعداد له ، فكل الناس سيموتون ، ومن هنا ، فمن الفطنة الاستعداد للموت ، لأنه قد يجيء في أية لحظة من لحظات الحياة ، وكما أخبر المعصوم صلى الله عليه وسلم:"من أحب لقاء الله ، أحب الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله ،كره الله لقاءه"، وكتب الله الموت على جميع عباده حتى أشرف الخلق على الله ، وهم الأنبياء ، وكتب لنفسه البقاء ، فقال تعالى: { كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون } ( القصص:88) .
وكم يعيش الإنسان من العمر الطويل ، ولكنه بعدها يموت ، وينتقل إلى حياة البرزخ ، ثم إلى الحياة التي لا موت فيها بعد الحساب ، فسيجيء يوم لا يموت الإنسان فيه ، ولكن عليه أن يسعى أن يكون سعيدا يوم لا موت. وإن كان هناك خوف ، فليكن خوفا من الله تعالى، لا خوفا من شيء من الموت وهو أحد مخلوقاته.
كما أن ما يراه الإنسان في النوم ، قد يكون حديث نفس ، وقد يكون حلما ووسوسة منامية من الشيطان، عندئذ يستعيذ الإنسان بالله من شرها ، ولا تكون الأحلام هي التي تقود سفينتنا في الحياة ، لأن مصائرنا قدر بيد الله تعالى .