يقول تبارك وتعالى: إنّ الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التوّاب الرحيم [البقرة:159160] .
ونسأل أيها المسلمون. كم من العلماء في بلادنا ؟ كم من الدعاة؟ كم من القضاة، ومع ذلك فالقُرى جاهلة، والبوادي تعيش في الخرافة، وكثير من الناس لا يعرفون أحكام دينهم، ولا أمور شرعهم، ظمئى وحولهم، ولكن بخل أهل الماء به، وصدوا الناس عنه.
إنّ مَن بخل بعلمه، بالنور الذي يحمله، بالهدى الذي في صدره، لَهُو أشدّ ذمّاً ومَقتاً وبخلاً ممن بخل بماله.
إنّ أهل الباطل ودعاة التخلف، يبذلون ما عندهم من الباطل، وينشرونه بين الناس، ويودّون أن لو يصل باطلهم إلى كل إنسان على وجه هذه الدنيا.
إنّهم تكلّموا، وكتبوا، وحاضروا، وأنتجوا، وطبّلوا، وزمّروا، وغَنّوا، ورقصوا؛ دعاية لباطلهم، ونشراً لعفنهم، بينما يستحي كثير من شباب الإسلام؛ أن يُعلِّم جاهلاً آية من كتاب الله، أو حديثاً من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أيها المسلمون:
من مراتب الجود أيضاً: الجود بالمال، ونحن - بحمد الله تعالى - نعيش في هذه البلاد عيشة هنيئة كريمة لا تتوفر في معظم بلاد الدنيا، فماذا قدمنا لأنفسنا، وماذا قدمنا لديننا؟.
هل قدمنا للقبر، هل قدمنا للصراط، هل قدمنا ليوم الكُرُبات والفضائح؟
لقد رأينا ورأيتم كثيراً من الناس يَشْكون الحاجة والفقر، مَدِينٌ لا ينام الليل، فقير لا يجد قوت يومه، مريض لا يملك ثمن الدواء، هرِمٌ ليس له إلا الله تعالى، فمن لهؤلاء إن أغلقتم أبوابكم دونهم؟
واعلموا أيها الناس: أنّ مَن قدّم خيراً فإنما يُقدّم لنفسه وما تقدموا لأنفسكم من خيرٍ تجدوه عند الله [البقرة:110] .
الخير أبقى وإن طال الزمان به والشرُّ أخبث ما أوعيْتَ من زادك
يقول عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيح: (( ما من يوم يُصبح العباد فيه؛ إلا ملَكان ينزلان؛ فيقول أحدهما: اللهم أعط مُنفقاً خلَفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط مُمسكاً تلفا ) ) [2] .
فمن أراد أن يُخلف الله عليه، وأن يُبارك له في رزقه، وفي دَخلِه، فليُنفق على الفقراء، على المجاهدين، على المساكين، في مشاريع الخير، فكل ذلك من أبواب البر.
وإذا كان بعض الجاهليّين لا يرضون أن يعيش في مجتمعهم جائع ولا مسكين، وهم وثنيّون، لا يعرفون رباً ولا رسولاً ولا ديناً، فما بال أهل الحق يَبخلون بفضل الله على عباد الله!!.
ابن جُدْعان رجل جاهلي، ما عرف لا إله إلا الله، ما سجد لله، عنده صِحاف تُعرض كلّ صباح فينادي مُناديه على جبل أبي قُبيص في مكة: من أراد الإفطار فليَأتِ، فتُحاط صحافه بالمساكين، فإذا كان الظهر، ملأ صِحافه باللحم والخبز ونادى مُناديه: من أراد الغداء فليَأت.
ولذلك قال أمية بن أبي الصلت في آل جدعان:
لا ينكتون الأرض عند سؤالهم لِتَطلُّب الحاجات بالعيدان
بل يُشرقون وجوههم فترى لها عند السؤال كأحسن الألوان
وإذا دعا الداعي ليوم كريهة سدّوا شُعاع الشمس بالفرسان
ومن الجود أيضاً أيها الناس، الجود بالجاه والوجاهة والمنصب، فبعض الناس آتاه الله الجاه والمنصب، يعرفه المسئولون بوجاهته، ويقبلون شفاعته، ويُقدّمونه على الناس، والله تعالى يقول: لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نُؤتيه أجراً عظيماً [النساء:114] .
ويقول - سبحانه: من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كِفلٌ منها وكان الله على كلّ شيء مُقيتاً [النساء:85] .
فيا أيها المسئولون في هذه البلاد وفي غيرها.
ويا من أنعم الله عليكم بالجاه والمنصب.
هذه والله بُشرى لكم.
شفاعتكم للمحتاجين، قضاء حوائج المسلمين، دفع الظلم عن المظلومين، السعي على مصالح الأرامل والمساكين، كلامك إلى المسئول، إلى الأمير، إلى الوزير في مصالح هؤلاء، له أعظم الأجر عند الله تعالى، حيث يشفع لك محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، يوم لا ينفع جاه ولا منصب.
ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كِفْلٌ منها ، كما يفعل الذين تبلّدَت عقولهم، وخربت ذِمَمُهم، في الإضرار بالمسلمين، وتنغيص عيشهم، واضطراب أمورهم، ويحسبونه هيّناً وهو عند الله عظيم، وسيندمون على ذلك أشدّ الندم يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم [الشعراء:88-89] .
ومن الجود أيضاً، الجود بالوقت والراحة، وذلك بأن تجعل جزءًا من وقتك لإخوانك المسلمين، تعود مريضاً، فتُدخل على قلبه البهجة والسرور، وقد تكون زيارتك له سبباً في شفائه، وغرس شجرة الأمل في نفسه.
وكذلك تَفقُّد ذوي الحاجات من الفقراء والمساكين والضَّعَفة، والله تعالى يقول: ما عندكم ينفدُ وما عند الله باق [النحل، الآية:96] .