فهرس الكتاب

الصفحة 2534 من 9994

فما أحسن المعروف، وما أحسن الجميل. يقول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -"ما أحسن الجميل، والله لو كان الجميل رجلاً لكان حسَناً، وما أقبح القبيح، والله لو كان القبيح واللؤم رجلاً لكان قبيحاً".

جاءه رجل فاستحى أن يسأله، فكتب حاجته على التراب، فقال علي - رضي الله عنه - أمسكتَ ماء وجهك، وأعفيتنا من ذلّ سؤالك، لألَبّيَنّ مسألتك، فكساه وآتاه مالاً، فقال الرجل:

كسوتني حُلّة تَبلى محاسنها لأكْسُونَّك من حُسن الثنا حُللا

والثناء من أحسن ما وضع الله للناس في الأرض.

وأنما المرء حديثٌ بعده فكُن حديثاً حسناً لمن وعى

حاتم الطائي نذكره اليوم وهو مشرك لا يعرف رباً ولا ديناً، ولكنه كان جواداً فبقي ذكره في الدنيا جزاءً وِفاقاً، ولا يظلم ربك أحداً.

فيا عباد الله:

قوا أنفسكم وأهليكم ناراً تلظّى، قوا وجوهكم من لَفح النار؛ بالمعروف، بالكلمة الطيبة، بالبسمة، بالصدقة، بالزيارة، بالشفاعة، بما يرضيه سبحانه وتعالى.

غفر الله لي ولكم، أنقذني الله وإياكم من النار، هداني الله وإياكم سواء السبيل.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنّه هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه البخاري ( 1 / 3) . ومسلم ( 1 / 141 ) رقم ( 160 ) .

[2] أخرجه البخاري ( 2/120 ) . ومسلم ( 2 / 700 ) رقم ( 1010 ) ... ...

الخطبة الثانية ... ...

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

عباد الله:

إن خير جيل ظهر على وجه الأرض هم جيل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فهم القادة، وهو القدوة التي ينبغي على جميع المسلمين؛ رجالاً ونساءً، شباباً وشيباً، الاقتداء بهم، والسير على طريقهم.

أولئك الذين هدى الله فبهداهُم اقتده [الأنعام:90] .

فنحن لم نُقدّم للإسلام عُشر ما قدموا، ولم نبذُل شيئاً مما بذلوا، فرضي الله عنهم وأرضاهم.

أتى حمزة، فترك أهله وأطفاله وداره وعَقاره، وأتى بثيابه الممزقة التي تَستر جسمه الطاهر، فقاتل في أُحد حتى قُتل، فكان أسد الله في أرضه، وكان سيّد الشهداء في السماء.

وأتى أنس بن النضر مقبلاً إلى الموت غير مُدبر، بعد أن رأى الناس قد فرّوا يوم أُحد، فأقبل إلى الله، وشمّ ريح الجنة من دون أحد، فقُتِل وضُرِب بأكثر من ثمانين ضربة.

وأتى خالد وسعد فباعوا أرواحهم للحي القيوم، هذه أعظم التجارة وأربحها، وهذا هو أعظم البذل والعطاء. إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنة يُقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله [التوبة:111] .

وهذا أعظم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، أحيا الله به الأرواح من الجهل والشرك والخرافة، حتى كانت خير أمة أخرجت للناس.

يقول شوقي:

أخوك عيسى دعا ميْتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرِّمم

إن كان عيسى عليه السلام أحيا ميتاً بإذن الله، فأنت أحييت الأرواح الميّتة، أحييت الشعوب الميتة، علّمت الجاهلين، رفعت الأميين، هديت الذين ما كانوا يهتدون ولا يفقهون ولا يتدبرون.

أَتَطْلُبون من المختار معجزة يكفيه شعب من الأموات أحياه

بذل أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، العلم، وبلّغوه للناس، وهذه قبورهم في الشرق والغرب تشهد بذلك.

كان أُبي بن كعب - رضي الله عنه - يجلس للناس بعد كلّ صلاة فيقول:

هل من متعلِّم، هل من سائل، هل من مُسْتَفتٍ، هل من مُستفسِر، فيفيض بالعلم كالبحر الذي لا ساحل له.

ابن عباس - رضي الله عنه - يجلس للناس من صلاة الفجر إلى صلاة الظهر، فيدخل أهل التفسير، حتى إذا انتهوا قال: اخرجوا، وعليّ بأهل الحديث، فإذا انتهوا قال: عليّ بأهل الفقه، فإذا انتهوا، نزل أهل الفَتاوى والأحكام، ثم جاء بأهل الأدب والشعر واللغة، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم [الحديد،:21] .

وأما بذل الأموال فحدِّث ولا حرج - أبو بكر الصدّيق - رضي الله عنه - يبذل ماله كلّه في سبيل الله، فيقال له: ماذا تركت لأهلك وعيالك؟ فيجيب بلسان الواثق بالله تعالى: تركت لهم الله ورسوله.

عثمان بن عفّان - رضي الله عنه - يبذل ماله في سبيل الله، يسمع النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: (( من يشتري بئر رومة وله الجنة ) ) [1] فاشتراها عثمان من اليهود فكانت ثمن روحه إلى الجنة.

ويسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( من يُجهّز جيش تبوك وله الجنة ) ) [2] فجهّز عثمان الجيش على نفقته، فاستحق بذلك دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام.

(( اللهم اغفر لعثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، اللهم ارض عن عثمان، فإني عنه راضٍ، ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم ) ) [3] .

أيها الناس:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت