فهرس الكتاب

الصفحة 2464 من 9994

إن هذه الكلمات ، المنبعثة من، مشكاة النبوة ، ليؤكد المصطفى حتمية المخالفة لما كان عليه أهل الجاهلية ، ويبين بذلك أن مسمى الجاهلية ، يعني أن يكون الأمر إسلاما اولا إسلام ، فالجاهلية والإسلام أمران نقيضان ، لا يمكن أن يجتمعا في نفس واحدة البتة .

إن كلمة الجاهلية ، لم تكن نشازا من حديث النبي لا وكلا ، بل هي كلمة مطروقة ، تكرر ذكرها في غير ما موضع من كتاب الله وسنة رسوله ، فقد قال سبحانه أفحكم الجاهلية يبغون [سورة المائدة:50] . وقال عز وجل يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية [سورة آل عمران:154] . ويقول جل شأنه ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى [سورة الأحزاب:33] . ويقول أيضا إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية [سورة الفتح:26] .

ولقد بوب البخاري في صحيحه بابا فقال: باب المعاصي من أمر الجاهلية . وذكر فيه قول النبي لأبي ذر لما عير رجلا بأمه (( إنك امرؤ فيك جاهلية ) )، قال الحافظ ابن حجر: إن كل معصية تؤخذ ، من ترك واجب أو فعل محرم فهي من أخلاق الجاهلية .

وعن ابن مسعود قال:قال رجل: يا رسول الله ، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية قال: (( من أحسن في الإسلام ، لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر ) )رواه البخاري ومسلم .

وقد قال ثابت بن الضحاك: نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة ، فسأل النبي: (( هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد ؟ ) )قالوا:لا ، قال: (( فهل كان فيها عيد من أعيادهم ؟ ) )قالوا: لا ، فقال رسول الله: (( أوف بنذرك … ) )الحديث ، [رواه أبو داود] .

فيؤخذ من هذا الحديث وغيره - عباد الله - التحذير الشديد من أمور الجاهلية ، أو مشابهة أهلها ، في أي لون من ألوانها ، كيف لا ورسول الله يقول: (( ألا إن كل شيء من أمور الجاهلية تحت قدمي موضوع ) )، ولو لم يكن من ازدرائها وشناعة قبحها ، إلا حكم النبي بأنها تحت قدميه لكفى .

لقد أكد رسول الله مخالفة ما عليه أهل الجاهلية من الكتابيين والأميين ، مما لا غنى للمسلم في أن ينبذها وينأ بنفسه عن الوقوع في هوتها ، وأن ينسل بنفسه ، عن أشدها خطرا وآكدها ضررا ، وهو عدم إيمان القلب بما جاء به الرسول ، ناهيكم عما ينضاف إلى ذلك ، من استحسان ما عليه أهل الجاهلية ، الذي تتم به الخسارة والبوار كما قال تعالى والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون [سورة العنكبوت:52] . أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرهاً وإليه يرجعون [سورة آل عمران:83] .

عباد الله:

إن مسائل الجاهلية برمتها ، قد بسطها أهل العلم في كتبهم ، وسطروها بأقلامهم وألسنتهم ، حتى لقد أوصلها بعضهم إلى مائة وثلاثين مسألة ، وهي إلى الثلاثمائة أو تزيد أقرب .

وإن من أعظم التشبه ، بما كان ، عليه أهل الجاهلية ، وأكثرها إيقاعا للخلل في دين الناس ودنياهم ، أمورا ثلاثة:

أولها: أن كثيرا من الناس يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله وعبادته ، يريدون شفاعتهم عند الله في حين أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ؛بل إنهم لأحوج إلى عفو الله ورحمته من أولئك الذين يدعونهم ؛ كما قال سبحانه أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذوراً [سورة الإسراء:57] .

وهذه - عباد الله - هي أعظم مسألة خالف فيها الرسول ما كان عليه أهل الجاهلية ، وعندها بدت بينه وبينهم العداوة والبغضاء أبدا حتى يؤمنوا بالله وحده ، ومن هنا افترق الناس إلى مسلم وكافر ، ولأجل هذه القضية العظمى شرع الجهاد في سبيل الله وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله [سورة البقرة:193] .

وثاني الأمور الثلاثة: هو أن أهل الجاهلية ، متفرقون في دينهم ودنياهم ، وهم في ذلك فرق وأحزاب ، كل حزب بما لديهم فرحون ، كل منهم يرى أنه على الحق دون سواه ، فمحق الخير ، وأحيي الشر ، حتى أصبح المرء لا يعرف إلا نفسه ، ولا يهتاج بالفرح والحزن ، إلا لما يمسه هو من خير أو شر ، فماتت العاطفة ، وقل الاكتراث المبتوت الصلة ، بمشاعر الأخوة الإسلامية العامرة .

فجاء الإسلام ودعا إلى الأخوة الدينية وتلا رسول الله قول ربه شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه [سورة الشورى:13] . وتلا قول خالقه إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء [سورة الأنعام:159] .

ويعلن المصطفى قولته المشهورة: (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) )رواه مسلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت