ويكون بذلك مؤكدا أخوة الدين ، التي تفرض تناصر المؤمنين المصلحين ، لا تناصر العبية العمياء ، والجاهلية الجهلاء ، لإحقاق الحق وإبطال الباطل ، وإجارة المهضوم ، وإرشاد الضال ، وحجز المتطاول ، وهذا كله هو ثمرة قول المصطفى: (( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ) )رواه البخاري .
إن الله سبحانه رد أنساب الناس وأجناسهم إلى أبوين اثنين ، فهم جميعا من جهة التمثال أكفاء، أبوهم آدم وأمهم حواء ، وإن يكن لهم من أصلهم نسب يفاخرون به ، فهو الطين والماء ، ليجعل الله من هذه الرحم ، ملتقى تتشابك عنده الصلات وتستوثق العرى يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير [سورة الحجرات:13] . إنه التعارف لا التفاخر ، والتعاون لا التخاذل ، وأما الشرف والرفعة فإنما هو في قوة الدين ، وتمكن التقوى من قلب العبد ، في إزالة الفوارق البشرية ، فرسول الله من أشراف قريش ، يقف مع الناس ويقول لقومه ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس [سورة البقرة:199] . تحقيقا للمساواة بين المسلمين ، وكان الرجل من أشراف قريش يأنف أن يزوج ابنته أو أخته من الرجل من عامة الناس ، فيأتي رسول الله ويزوج ابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية ، من مولاه زيد بن حارثة ، ويقول عن رجل من أصحابه: (( يا بني بياضة أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه ) )، وقد كان حجاما ، رواه أبو داود والحاكم إنما المؤمنون اخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون [سورة الحجرات:10] .
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا كثيرا كما أمر ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إرغاما لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد البشر ، والشافع المشفع في المحشر ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه السادة الغرر.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله ، واعلموا أن ثالثة الأثافي من أمور الجاهلية: هي ديدن الجاهلية ، المتمثل في ظنهم المقلوب ، أن مخالفة ولي الأمر ، وعدم الانقياد له ، فضيلة ورفعة ، وأن السمع والطاعة والانقياد ، ذل ومهانة ، ونقص في الرجولة والعلم ، فخالفهم المصطفى وأكد على مخالفتهم في ذلك ، بالسمع والطاعة في المنشط والمكره ، للولاة الشرعيين بالبيعة الشرعية ، وأمر بالصبر على جور الولاة ، وعدم الخروج عليهم ، مع بذل النصح والإرشاد لهم ، فغلظ في ذلك وأبدى وأعاد ، بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه ؛ حيث يقول: (( من كره من أميره شيئا فليصبر ، فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية ) )رواه البخاري ومسلم .
فهذه الأمور الثلاثة التي مضت ، جمعها النبي في قوله: (( إن الله يرضى لكم ثلاثا: ألا تعبدوا إلا الله ولا تشركوا به شيئا ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ) )رواه أحمد .
وإن مما ينبغي التنبيه إليه عباد الله ، هو ما وقع فيه كثير من الناس في هذا العصر إلا من رحم الله ، من التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله و التراضي بأحكام البشر وقوانينهم ودساتيرهم ، وهذا وربي هو عين فعل الجاهلية أفحكم الجاهلية يبغون [سورة المائدة:50] .
لقد أنكر سبحانه ، على من خرج عن حكمه ، المشتمل على كل خير ، الزاجر عن كل شر ، وعدل إلى ما سواه من قوانين البشر وأعرافهم ، التي وضعها رجالهم بلا مستند أو أثارة من علم ، كما كان عليه أهل الجاهلية الأولى ، وكما كان يحكم به التتار ، من السياسات المأخوذة عن سلاطينهم ، والتي اقتبسوها من شرائع شتى ، كاليهودية والنصرانية وغيرها ، فصارت فيمن بعدهم شرعة متبعة ، يقدمونها إلى الحكم بكتاب الله وسنة رسوله يصف أمثالهم لبيد بن ربيعة ويقول:
يا معشر سنت لهم آباءهم ولكل قوم سنة وإمامها
وهم بذلك ، قد كفروا وجب قتالهم لأجله حتى يرجعوا إلى حكم الله ورسوله أ فحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون [سورة المائدة:50] . فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً [سورة النساء:65] .