الثاني: أن المرء ليس له من صلاته إلا ما عقل منها، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما وفي المسند مرفوعا (( إن العبد ليصلي الصلاة ولم يكتب له إلا نصفها، أو ثلثها أو ربعها حتى بلغ عشرها ) ) [3] .
فهل ترضى يا أخا الإسلام أن ترد أعمالك الأخرى بسبب عدم إصلاح صلاتك؟ وهل يكفيك أن يكتب لك من صلاتك ربعها أو ثمنها أو عشرها.
أيها المسلمون... أيها المصلون وهنا ترد الأسئلة التالية:
ما معنى الخشوع في الصلاة؟ وما حكمه؟ وما مظاهر عدم الخشوع في صلاتنا، وكيف نستجلب الخشوع في الصلاة؟.
أما معنى الخشوع في الصلاة: فهو.. كما قال ابن كثير رحمه الله: تفريغ القلب لها، وعدم الاشتغال بما عداها، وإيثارها على غيرها، وحينئذ تكون قرة عين للمصلي، كما كانت للنبي صلى الله عليه وسلم (( وجعلت قرة عيني في الصلاة ) ) [4] .
والخشوع في الصلاة كما جاء في عبارات السلف، سكون، وخوف، وغض للبصر وخفض للجناح، وعدم الالتفات هنا أوهناك [5] .
هو باختصار سكون الجوارح عن الحركة غير المأذن بها شرعا، وتدبر القلب وخشوعه لما يقال أو يفعل في الصلاة إن سرا أوجهرا. قال بعض السلف، الصلاة كجارية تهدى إلى ملك الملوك، فما الظن بمن يهدي إليه جارية شلاء أو عوراء أو عمياء أو مقطوعة اليد والرجل أو مريضة أو دميمة أو قبيحة، حتى يهدي إليه جارية ميتة بلا روح... فكيف بالصلاة يهديها العبد ويتقرب بها إلى ربه تعالى، والله طيب لا يقبل إلا طيبا، وليس من العمل الطيب صلاة لاروح فيها، كما أنه ليس من العتق الطيب عتق عبد لاروح فيه [6]
أيها المؤمنون أما حكم الخشوع في الصلاة فقد قال بوجوبه في الصلاة عدد من العلماء، قال القرطبي رحمه الله"اختلف الناس في الخشوع هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ومكملاتها؟ على قولين، والصحيح الأول ومحله القلب [7] وممن قال بوجوبه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: قال تعالى (( وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ ) ) (البقرة:45) ."
قال الشيخ: وهذا يقتضي ذم غير الخاشعين، والذم لايكون إلا لترك واجب أو فعل محرم، وإذا كان غير الخاشعين مذمومين دل ذلك على وجوب الخشوع/ كما استدل الشيخ على وجوب الخشوع لقوله تعالى: (( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ* أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ* الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ) (المؤمنون:1-11) . وبأدلة أخرى وكلام طويل استجمعه رحمه الله ( [8] ) .
كما قال بالوجوب الحافط العراقي في (طرح التثريب [9] رد ا على النووي رحمهما الله [10] .
إخوة الإسلام فإذا علم وجوب الخشوع في الصلاة أدركنا مدى تفريطنا وتهاوننا في أداء هذه الفريضة الواجبة وقل خشوعنا في الصلاة، فإن قال قائل: و ماهي مظاهر عدم خشوعنا في الصلاة؟ قلت: هذه كثيرة ومنها:
* كثرة الحركات في الصلاة دونما فائدة كتحريك الأرجل والأيدي وتسوية الملبس ومس الشعر والنظر في الساعة وفرقعة الأصابع ونحو ذلك، وتأمل كيف قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر رضي الله عنه حين سأله عن مس الحصى في الصلاة فقال: (( واحدة، ولأن تمسك عنها خير لك من مائة ناقة كلها سود الحدق العيون ) ) [11] .
* الإلتفات في الصلاة وهو نوعان: حسي ومعنوي، فالحسي تقليب البصر يمينا وشمالا. وذلك هو الاختلاس الذي يختلسه الشيطان من صلاة العبد، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح [12] .
والمعنوي هو التفات القلب عن الله لأي غرض من أغراض الدنيا، والانشغال عن الصلاة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن عتبة رضي الله عنه في فضل الوضوء والصلاة الخاشعة (( فإن هو قام وصلى فحمد الله وأثني عليه... وفرغ قلبه لله انصرف من خطيئته كيوم ولدته أمه ) ) [13] .
والخاشع والموفق من سلم من التفات البصر والفؤاد في الصلاة ولم يرفع بصره إلى السماء.
* ومن مظاهر عدم الخشوع استثقال الصلاة وتباطئ الإمام في السلام، قال الله تعالى: (( وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ ) ) (البقرة:45) .
والمعنى ثقيلة إلا على الخاشعين.
* ومن مظاهره عدم نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر، قال تعالى
(( إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ ) ) (العنكبوت:45) .
وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن فلاناً يصلي الليل كله، فإذا أصبح سرق، فقال: (( سينهاه ما تقول، أو قال ستمنعه صلاته ) ) [14] .
* ومن مظاهر عدم الخشوع كثرة السهو فيها، وقلة التدبر لما يقال أو يقرأ من القرآن فيها، ولو سألت بعضهم ماذا قرأ الإمام في المغرب والعشاء مثلا أو ماذا قرأ هو في صلاة اليوم لتردد في الإجابة، وليس ذلك إلا مظهرا من مظاهر الغفلة وعدم الخشوع والتدبر في الصلاة فليحذر.
* ومن أبرز مظاهر عدم الخشوع في الصلاة عدم الطمأنينة في الصلاة، وسرقة شيء من أركانها أو الواجبات، كعدم الاطمئنان في الركوع أو الرفع منه، أو السجود أو الجلسة بين السجدتين أو نحو ذلك، قال صلى الله عليه وسلم (( أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته، قيل: يا رسول الله كيف يسرق صلاته ؟ (( قال لايتم ركوعها ولاسجودها ) ) [15] .
وفي الحديث الآخر: (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب ) ) [16] .
وقد يصل الأمر ببعضهم إلى مسابقة الإمام، وهذا من تلاعب الشيطان في المصلي، وإلا هل سينهي الصلاة قبل الإمام، وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال: (( أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار ) ) [17] .
اللهم وفقنا للهدى وعافنا من البلوى.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين أحمده تعالى وأشكره وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، واللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
إخوة الإيمان: إذا عرفنا معنى الخشوع في الصلاة وقيمته وحكمه وبعضا من مظاهر عدم خشوعنا في الصلاة، فهنا يرد السؤال المهم فكيف نخشع في الصلاة ؟ وماهي الأسباب المعينة على الخشوع ؟ وقبل الشروع في ذكر بعض الأسباب المعنية، أذكرك أخي المسلم بعلاج الظواهر السابقة لعدم الخشوع، فتلافيها يورث الخشوع في الصلاة، وأضيف إليها أسبابا أخرى للخشوع.
* أول هذه الأسباب استحضار عظمة الله حين الدخول في الصلاة. أو لست تبدأ الصلاة بالتكبير قائلا: الله أكبر... أجل إن معرفتك بمدلول هذه الكلمة يجعلك تعتقد أن الله أكبر من كل شيء ومن ثم فلا ينبغي أن يشغلك شيء عن ذكر الله وعن الصلاة حتى تفرغ منها. وينبغي أن تجل الله وأنت تقف بين يديه تناجين قال صلى الله عليه وسلم: (( إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه فلينظر كيف يناجيه ) ) [18]