فهرس الكتاب

الصفحة 8410 من 9994

* وتدبر ما تقول من أذكار وما تقرأ من قرآن، من خير ما يعينك على الخشوع، فأنت لو تأملت ما تقول من دعاء الاستفتاح وما تقوله حين تركع وترفع وتسجد وتعتدل، وتدبرت ما تقرأ بين ذلك من كتاب الله العزيز لكان في هذا ذاك شغل لك عن التفكير في أمور أخرى خارج الصلاة، ولمن يغفل عن تدبر القرآن أثناء الصلاة أو خارجها أذكر بمقولة أحد السلف"إن الله جمع الكتب المنزلة في القرآن، وجمع علم القرآن في المفصل، وجمع علم المفصل فاتحة الكتاب، وجمع علم فاتحة الكتاب في قوله: (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ) (الفاتحة:4) ."

وأذكر من يقرؤون المئين من الآيات دون تدبر بموقف قتادة بن النعمان رضي الله عنه الذي قام الليل لا يقرأ إلا (( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) ) (الإخلاص:1) يرددها لا يزيد عليها [19] .

* ومما يعين على الخشوع في الصلاة تذكر الموت، والصلاة صلاة مودع، وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم (( اذكر الموت في صلاتك، فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته لحري أن يحسنها، وصل صلاة رجل لا يظن أنه يصلي غيرها ) ) [20] .

إي وربي إن صلاة من يظن أنه قاب قوسين أو أدنى لتختلف عن صلاة من خدع بطول الأمل وحب الدنيا .

4-أيها المسلمون ومن الأمور المعينة على الخشوع في الصلاة الحرص على سنن

الصلاة، فضلا عن الإتيان بواجباتها والأركان، ولهذا وذاك أثر في خشوع المصلي، أرأيت وضع اليد اليمنى على اليسرى على صدر المصلى... كم فيه من عبودية لله رب العالمين، وقد سئل الإمام أحمد يرحمه الله عن المراد بذلك فقال"هو ذل بين يدي عزيز"قال علي بن محمد المصري الواعظ يرحمه الله: ما سمعت في العلم بأحسن من هذا [21] .

فوق ما في ذلك من اتباع هدي المرسلين (( أنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة ) ) [22] .

ثم أرأيت تحريك السبابة حين التشهد كم هو شديد على الشيطان حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لهي أشد على الشيطان من الحديد ) ) [23] ومثل ذلك يقال في طأطأة الرأس، والنظر في موضع السجود، ونحو ذلك من هيئات الصلاة المشروعة، وكلها تدعوا للخشوع وتذهب الغفلة وتطرد وساوس الشيطان بإذن الله .

* ومما يدعو للخشوع التأمل في حال السلف في صلاتهم،

وتذكر مسلسل الخاشعين الماضين من المؤمنين، وهاك نموذجا لهم، يقول مجاهد رحمه الله: كان إذا قام أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يشد بصره إلى شيء أو يلتفت أو يقلب الحصى أو يعبث بشيء أو يحدث نفسه من شأن الدنيا إلا ناسيا مادام في صلاته [24] .

وقال سعد بن معاذ رضي الله عنه: في ثلاث خصال لو كنت في سائر أحوالي أكون فيهن لكنت أنا أنا، إذا كنت في الصلاة لا أحدث نفسي بغير ما أنا فيه، وإذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لا يقع في قلبي ريب أنه الحق، وإذا كنت في جنازة لم أحدث نفسي بغير ما تقول ويقال لها [25] .

ويذكر أن عصام بن يوسف رحمه الله مر بحاتم الأصم وهو يتكلم في مجلسه، فقال: يا حاتم تحسن تصلي؟ قال: نعم، قال: كيف تصلي؟ قال: حاتم: أقوم بالأمر، وأمشي بالخشية، وأدخل بالنية، وأكبر بالعظمة، وأقرأ بالترتيل والتفكر، وأركع بالخشوع، وأسجد بالتواضع، وأجلس للتشهد بالتمام، وأسلم بالنية، وأختمها بالإخلاص لله عز وجل، وأرجع على نفسي بالخوف، أخاف ألا يقبل مني، وأحفظه بالجهد إلى الموت"قال: تكلم فأنت تحسن تصلي [26] ."

عباد الله: أيها المصلون ومما يعين على الخشوع:

* استحضار المغنم والمغرم في الصلاة، وإذا كان قد مضى شيء من المغرم؟ لمن ضيع صلاته ولم يخشع فيها يكفي منها أنها لاتنهاه من الفحشاء والمنكر في الدنيا، وتكون في الآخرة سببا لرد أعماله الأخرى، إلى غير ذلك من المغارم الأخرى. أما الصلاة الخاشعة فلها مغانم كثيرة، منها مغفرة الذنوب، كما قال صلى الله عليه وسلم (( مامن امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب مالم يأت كبيرة، وذلك الدهر كله ) ) [27] .

في الحديث الآخر قال عليه الصلاة والسلام: (( إن العبد إذا قام يصلي أتي بذنوبه كلها فوضعت على رأسه وعاتقيه، فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه ) ) [28] .

قال المناوي: المراد أنه كلما أتم ركنا سقط عنه ركن من الذنوب، حتى إذا أتمها

تكامل السقوط وهذا في صلاة متوفرة الشروط والأركان والخشوع كما يؤذن به لفظ (العبد) و (القيام) إذ هو إشارة إلى أنه قام بين يدي ملك الملوك مقام عبد ذليل [29] .

والصلاة الخاشعة سبب لدخول الجنة كما ثبت ذلك في صحيح [30] وهي تمنع مدخل السوء ومخرجه كما صح بذلك الحديث [31] .

إخوة الإيمان: يطول الحديث عن آثار الصلاة ومغانمها- وليس هذا موضع بسطها- والمقصود أن نقدر هذا الصلاة حق قدرها، وأن يبصر كل منا نفسه ويتأمل في صلاته، وإن من الحرمان أن يجهد المرء نفسه ثم لايتقبل الله منه بسبب تقصيره وتلاعب الشيطان بعبادته، وكم هو مؤلم للنفس أن يمكث الإنسان دهرا من عمره يؤدي الصلاة وكأنها عادة لاعبادة، فلا يجد فيها أنسه، ولا تنهاه عن معصية، وفرق كبير بين من إذا دخل الصلاة تمنى عدم الخروج منها لما يجده من لذة المناجاة وقرة العين، وبين من إذا دخل في الصلاة أخذ يحسب أنفاسه حتى تقضى الصلاة؟.

[1] أخرجه الترمذي وروايه النسائي أرجح ابن رجب 25 .

[2] رواه الطبراني في الأوسط وغيره عن أنس وسنده صحيح، صحيح الجامع الصغير2/352 .

[3] مدارج السالكين 2/112 عن المنجد في رسالته 33سببا للخشوع في الصلاة ص 60، 61 .

[4] أخرجه النسائي وأحمد بسند صحيح الهلالي، الخشوع وأثره في الأمة ص 31) وتكون له راحة، كما قال عليه الصلاة والسلام لبلال رضى الله عنه"أرحنا بها يابلال" (أخرجه أبو داود، وأحمد بسند صحيح، المرجع السابق/32(4) تفسير ابن كثير5/456 .

[5] تفسير ابن كثير 5/456 ،ابن رجب/35 .

[6] مدارج السالكين 1/526 عن رسالة المنجد في الخشوع في الصلاة 7، 8 .

[7] الجامع لأحكام القرآن12/ 104 .

[8] - في الفتاوي 22/ 553- 572 .

[10] انظر الخشوع وأثره في بناء الأمة، الهلالي 35 .

[11] الحديث رواه ابن خزيمة في وهو في صحيح الترغيب والترهيب (558) المنجد 53

[12] أخرجه البخاري 2/234، 6/238 من الفتح .

[13] رواه مسلم 832 ،انظر الخشوع في الصلاة لابن رجب:38 .

[14] رواه أحمد البزار وصححه الألباني 1/66من السلسلة الضعيفة حين ضعف الحديث: لم تنهه صلاته عن الفحشاء. (الصلاة وأثرها ا العوايشة: 49) .

[15] رواه أحمد والحاكم وهو في صحيح الجامع 977 .

[16] رواه أحمد وهو في صحيح الترغيب 556، المنجد: 95 .

[17] رواه مسلم 1/320 .

[18] رواه الحاكم في مستدركه 1/236 وهو في صحيح الجامع الصغير رقم 651 .

[19] رواه البخاري الفتح 9/59 وأحمد (3/43) .

[20] أخرجه الديلمي في مسنده بسند حسن: الخشوع للهلالي:45، المنجد 13 .

[21] الخشوع في الصلاة لابن رجب 36، 37 .

[22] رواه الطبراني في المعجم الكبير، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح 3/155.

[23] رواه الإمام أحمد بسند حسن كما في صفة الصلاة:159، المنجد:24 .

[24] تعظيم قدر الصلاة 1/188 عن رسالة المنجد:37 .

[25] الفتاوى لابن تيميه 22/605 .

[26] الخشوع لابن رجب ص 47 .

[27] رواه مسلم 1/206 .

[28] رواه البيهقى في السنن الكبرى والطبرانى وغيرهما بسند صحيح (صحيح الجامع 2/78) .

[29] فيض القدير 2/368 عن المنجد في 33 سببا للخشوع في الصلاة 41 .

[30] العوايشة: الصلاة وأثرها 51 .

[31] صحيح الجامع 1/197 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت