فهرس الكتاب

الصفحة 3611 من 9994

فكان كلما حان وقت الصلاة قام بلال يهتف: الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. فتنتفض أجساد المؤمنين عند صوته، كما ينتفض الجسد إذا صدمه تيار الكهرباء!!.

وكان كلما أهمّ الرسول، ، أمرٌ، أو أصابه كرب، نادى بلالاً: (( أرحنا بها يا بلال ) ) [1] ، فيؤذن بلال للصلاة.

كان يأتي للرسول، ، بماء الوضوء والعنزة، وكان يأخذ حذاءه في يده، ويرى أن ذلك شرف لا يعدله شرف.

وكان عليه الصلاة والسلام يحبه ويدنيه منه، وسرى هذا الحب في قلب بلال، فعوضه عن كل شيء، عن أهله في الحبشة، وعن أقربائه وجيرانه وتاريخه هناك، ولكن كفى بحب محمدٍ عليه الصلاة والسلام.

وفي ذات يوم قال عليه الصلاة والسلام لبلال: (( حدثني بأرجى عملٍ عملته في الإسلام، فإني سمعت دفّ نعليك بين يدي في الجنة ) ).

الله أكبر، أي جائزة أعظم من أن يعرف إنسان أنه من أهل الجنة، وهو لا زال يعيش في هذه الدنيا.

فيجيب بلال رسول الله، ، قال: (( ما عملت عملاً أرجى عندي من أني لم أتطهّر طهوراً في ساعة من ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كُتب لي أن أصلي ) ) [2] .

بلال من أهل الجنة، شهد أهل السنة بذلك، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام، شهد له بذلك.

كان خفيف الجسم، ممشوق القامة، لونه أسود، وهذه قضية لا قيمة لها ولا وجود لها في الإسلام.

وكّله عليه الصلاة والسلام، في غزوة من الغزوات بحراسة الجيش وقال: (( من يوقظنا للصلاة؟ ) )قال بلال: أنا يا رسول الله، فنام الجيش وقام بلال يصلي طيلة الليل، فلما كان قبيل الفجر، حدث بلال نفسه بأن يضطجع قليلاً ليستريح، فاضطجع، فنام، وأتت الصلاة، والرسول عليه الصلاة والسلام نائم، والجيش نائم، حتى طلعت الشمس، وكان أول من استيقظ بعد طلوع الشمس، أبو بكر ثم عمر بن الخطاب ، فرأى هذه المأساة، التي حدثت لأول مرة، وفي ذلك حكمة، وهي عذر من غلبته عيناه فلم يستيقظ حتى طلعت عليه الشمس.

يستيقظ عمر، ويقترب من الرسول عليه الصلاة والسلام، ويستحي أن يقول للمعلم العظيم: قم للصلاة، فالتلميذ يصعب عليه أن يقول ذلك لأستاذه، والطالب يستحي أن يقول ذلك لمعلمه، فأخذ عمر يقول - والرواية في البخاري: الله أكبر.. الله أكبر، ويعيد التكبير، حتى استيقظ الرسول عليه الصلاة والسلام، فدعا حبيبه ومؤذنه بلالاً وأجلسه أمامه، وقال له: ما أيقظتنا. قال يا رسول الله: أخذ بعيني الذي أخذ بعينك، فتبسم الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم أذّن بلال بعد طلوع الشمس، وصلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وصلى أصحابه معه [3] .

بينما كان الصحابة رضوان الله عليهم، يجلسون في مجلس، فإذا أبو ذر يعير بلالاً بأمه، قال له: يا ابن السوداء!! وهل في دستور الإسلام حمراء وسوداء وبيضاء، من هو الكريم عندنا، من هو المعظّم في هذه الملة إن أكرمكم عند الله أتقاكم [الحجرات:13] . إننا لا نعرف بالألوان، ولا بالأجناس، ولا باللغات، ولا بالبلدان، إنما نعرف بلا إله إلا الله، وبمقدار عبوديتنا لله عز وجل.

فغضب بلال من أبي ذرّ، وقال له: والله لأرفعنك إلى خليلي عليه الصلاة والسلام، ورفع أمره إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فغضب غضباً شديداً وقال له: (( أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية ) ) [4] .

إن رسول الله يؤسس منذ أن بدأ دعوته هذا المبدأ إن أكرمكم عند الله أتقاكم لا مال، ولا جاه، ولا نسب، ولا لون، ثم تأتي يا أبا ذر فتهدم ذلك كله: (( إنك امرؤ فيك جاهلية ) )هكذا قال له رسول الله عليه الصلاة والسلام.

فلماذا نعير الناس بأجناسهم، أو ألوانهم، أو قبائلهم، إن هذه خطيئة كبرى في الإسلام، بل هي هدم للقواعد التي بني عليها هذا الدين.

ومضى بلال ولم يزدد مع الأيام إلا رفعة، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يحبه.

يصلي الرسول عليه الصلاة والسلام العيد، ثم يتكئ على بلال، ويذهب فيخطب في النساء وهو متكئ على بلال لأنه يحبه [5] .

وفي اليوم المشهود، يفتح الرسول عليه الصلاة والسلام مكة في عشرة آلاف من أصحابه، يدخل فاتحاً منتصراً، فيرى الأصنام التي كانت تعبد من دون الله، فيشير إليها بعصاه فتتناثر، وتتساقط، ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً [6] [الإسراء:81] .

وتحين صلاة الظهر ويجلس الناس جميعاً في صرح الكعبة المشرفة، ويقول عليه الصلاة والسلام أين بلال؟ قال: ها أنا يا رسول الله، قال: اصعد الكعبة وأذن من فوقها!! سبحان الله، أليس هذا رفعاً لرؤوس المستضعفين، أليس هذا هو العدل بعينه، أن يقوم المولى الأسود يعتلي بيت الله بأقدامه، ليهتف بنداء الحق.

أين أبو جهل؟ في النار! أين أبو لهب؟ في النار! أين أبو طالب؟ في النار!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت