فهرس الكتاب

الصفحة 3612 من 9994

وصعد بلال واستوى على الكعبة ليخاطب الدنيا بشهادة الحق إلى يوم الدين، فلما أذن بكى الناس، ومن الذي يرى هذا المشهد، ويرى هذه الصورة، ويسمع هذا الصوت، ويعيش هذه التفاصيل، ثم لا يبكي، شيء عجيب يوم الفتح الأكبر، الفاتح رسول الله عليه الصلاة والسلام، الدين الإسلام، المؤذن بلال، من بلال؟ المولى الأسود، وأين يؤذن؟ على سطح الكعبة المشرفة، وكان صوته جميلاً ندياً، يشجي القلوب، وتطرب له الآذان.

وبكى رسول الله عليه الصلاة والسلام، سالت دموعه، لأنه تذكر المعاناة، تذكر الأيام العصيبة التي عاشتها هذه الطائفة المؤمنة، وتذكر فضل الله عليه وإنعامه بهذا النصر المبين، لقد انتصر محمد ، وها هو مولاه وحبيبه الذي كان مطارداً معذباً مهاناً، أصبح المؤذن الأول في التاريخ، وها هو صوت بلال يجلجل في هضبات مكة وأوديتها، يزلزل الدنيا بلا إله إلا الله.

ولكن بعض الذين انتكست عقولهم، ممن لا يزال على الشرك يقول في كبر وعتو: لا أظن أن الحياة تطول بي حتى أرى ذلك العبد الأسود ينعق كالغراب على الكعبة!!.

تبا لك أيها المجرم الأثيم، أتشبّه هذا السيد بغراب ينعق؟ إنها عنجهية الكفر، وحب العلو الذي يسيطر على كثير من العقول إلى يومنا هذا.

وفجأة يموت الإمام، ولك أن تتصور رجلين محابين، معلم وتلميذ، إمام ومؤذن، عاشا الحياة معاً، حلوها ومرها، سهلها وصعبها، ليلها ونهارها، وفجأة يموت الإمام، مات عليه الصلاة والسلام إنك ميت وإنهم ميتون [الزمر:30] .

لقد أظلمت الدنيا في عين بلال أمات النبي عليه الصلاة والسلام؟ نعم، إلا أن دينه لم يمت، وعلى المؤذن أن يستكمل الطريق.

ومع بزوغ الفجر، قام بلال ليؤذن، قام ليؤدي مهمته التي كلفه بها رسول الله ، وبدأ بلال يؤذن: الله أكبر.. الله أكبر.

ثم ينظر إلى المحراب فيجده خالياً من الإمام، فيلتفت إلى بيت الرسول عليه الصلاة والسلام ولكنه ليس فيه، أصبح وحيداً، لا شيخ، ولا إمام، ولا رسول، فكيف يستطيع أن يكمل، بأي عبارة يؤدي، أين صدره، أين قلبه، أين كيانه، ثم تحامل على نفسه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله.. أشهد أن لا إله إلا الله، ولكن أتت قاصمة الظهر، أتت المعضلة التي لا يستطيع بعدها أن يتكلم ولو بكلمة واحدة، قال: أشهد أن محمداً.. ولم يستطع أن يكمل، بكى بكاءً شديداً، وبكى الناس جميعاً في بيوتهم في المدينة، النساء والأطفال، والشيوخ بكى المؤذن اختنق صوته، لم يستطع أن يكمل، فنزل ورمى بجسمه على الأرض.

أين الإمام؟ مات الإمام، وبقي المؤذن.

أين الحب؟ ذهب الحب والعطف والرحمة.

إنها قاصمة الظهر.

وحضر الصحابة ليشاهدوا ذلك المنظر، منظر المؤذن وهو ملقى على الأرض، يبكي بكاء الثكلى.

مالك يا بلال، قال: لا أؤذن.

أتاه أبو بكر الخليفة: قال مالك؟ قال لا أؤذن لأحد بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام، قالوا: سبحان الله، من يؤذن لنا؟

قال: اختاروا لكم مؤذناً، وحمل إلى بيته .

بنتم وبنّا فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليكم ولا جفّت مآقينا

تكاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا

إن كان قد عزّ في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا

امتنع بلال عن الأذان، وذهب إلى بيته، وتبقى بقيةٌ أكملها في الخطبة الثانية إن شاء الله تعالى.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه أبو داود (4/296) رقم: (4985 ، 4986) ، وأحمد (5/364 ، 371) وصححه الألباني ، كما في صحيح الجامع رقم: (7892) .

[2] أخرجه البخاري (2/48) ومسلم (4/1910) رقم (2458) .

[3] انظر صحيح البخاري (4/168 ، 169) ، وصحيح مسلم (1/474 ، 475) رقم (682) ، وسنن أبي داود (1/118 ، 119) رقم: (435) .

[4] أخرجه البخاري (1/13) ومسلم (3/1282 ، 1283) رقم: (1661) وليس فيهما ذكر لبلال ولفظلهما: أن أبا ذر عير رجلا بأمه )) .

[5] حديث اتكاء الرسول على بلال في خطبة العيد ، أخرجه مسلم (2/603) حديث رقم (885) .

[6] أخرجه البخاري (92 ، 93) ، ومسلم (3/1408) رقم (1781) . ... ... ...

الخطبة الثانية ... ... ...

الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.

أما بعد:

فلازال الحديث مع بلال ولازال الحب لبلال ولا زال الذكر لبلال.

انتهى الفصل الأول، وقد أعفى خليفة المسلمين أبو بكر الصديق بلالاً من الأذان، تركه الصديق ليرتاح، لأن الإمام قد مات.

وتمر الأيام، ويفتح الله على المسلمين الفتوح، ويذهب بلال يشارك بروحه وجسمه ونفسه في إعلاء كلمة لا إله إلا الله، يصل إلى الشام فاتحاً مقاتلاً، يجاهد المشركين، ويعلم الناس دينهم، وينتظر المنية حتى يلحق بحبيبه في الجنة.

وهنا مواقف مؤثرة، سجلها التاريخ، ووقف أمامها، وأنصت لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت