أيها الإخوة الكرام.. إننا نطلب العلم الشرعي لأن العلم الشرعي به تكمل الأخلاق الفاضلة وبه يحصل الإنسان محاسن الخصال ولذلك قال الله جل وعلا: ? لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ? (1) فالله جل وعلا أخبر بأنه من على المؤمنين بأن بعث فيهم رسولاً من أنفسهم أي من جنسهم ما مهمته؟ ما وظيفته؟ ما عمله؟ يتلو عليهم آياته ويزكيهم يتلو عليهم الآيات التي جاءت في كتاب الله عز وجل والتلاوة هنا ليست تلاوة اللفظ فقط بل هي تلاوة اللفظ والمعنى فهو يبين لهم بقوله وفعله ما أنزل الله جل وعلا من الكتاب المبين ويزكيهم والتزكية هي التدرج بالنفس إلى أعلى درجات كمالها فالنبي - صلى الله عليه وسلم - بعثه الله مزكياً مكملاً للأخلاق ولذلك جاء في مسند الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق ) ) (2) قال أنس رحمه الله: إذا قل العلم ظهر الجفاء. فالخلق الفاضل والسجايا الكريمة تنبع أيها الإخوة عن العلم الشرعي فإذا أقبل الإنسان على تعلم كتاب الله عز وجل تعلماً وعلى سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - تلقياً بصدر منشرح وهمة عالية ورغبة في الخير فإنه لابد وان تزكو أخلاقه ولابد أن يظهر للعلم أثر في أخلاقه في قوله في عمله في هديه في سمته في سائر شأنه.
أيها الإخوة .. مدح الله جل وعلا في كتابه صفاتٍ كثيرة وأثنى على أهلها واعلم أن كل صفة مدح الله بها العبد إنما منشؤها العلم وهذا يبين لك أهمية العلم وأن العلم به تكمل الفضائل به تحصل على السبق في ميادين الخير والبر والشرف وان من قعد عن العلم فقد قعد عن تكميل أخلاقه لقوله - صلى الله عليه وسلم: (( إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق ) ) (3) .
أيها الإخوة .. إننا نطلب العلم الشرعي لأنه به يعصمنا الله جل وعلا من الفتن والفتن كثرت في هذا الزمان وهي على مر الوقت ستكثر لأنه كلما تقدم الوقت كثرت أسباب الضلال وأسباب الزيغ وأسباب الشر على مر العصور كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه ) ) (4) .
أيها الإخوة .. إنما العلم الشرعي حصن يتدرع به الإنسان من الوقوع في شراك الفتن سواء كانت الفتن من فتن الشهوات أو من فتن الشبهات قال الله جل وعلا في بيان أثر العلم في إزاحة العصمة من كل فتنة: ?وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ? (5) وهذا شأن المنافقين وعملهم إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به أي أشاعوه ونشروه دون أن يترووا هل في إشاعته مصلحة للمؤمنين وأهل الإسلام أو لا قال الله جل وعلا: ?وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ? (6) . فالعلم سبب للحفظ وصيانة من الوقوع في أسباب الشر.
أيها الإخوة .. إن الفتن كما ذكرنا تكثر مع مرور الوقت كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي موسى وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهما: (( إن بين يدي الساعة أياماً يُرفع فيها العلم وينزل فيها الجهل ويكثر فيها الهرج ) ) (7) والهرج القتل أي كثرة القتل في الناس وانظر حيث ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيان أول ما يصاب به الناس بين يدي الساعة فذكر رفع العلم لما لرفع العلم من الشر الذي يصيب الناس، ويبين هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في حديث أنس - رضي الله عنه -: (( إن من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل والزنى وشرب الخمر ويقل الرجال ويكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد ) ) (8) وهذا يبين لنا أيها الإخوة خطورة ارتفاع العلم وأن ارتفاع العلم من المجتمع سبب للوقوع في أنواع الفتن وأنواع الشرور.
وأنت أيها الأخ إذا تأملت مسيرة الأمة تجد أن عمل الصحابة رضي الله عنهم في ذب الفتن والبدع وفي رد الشرور كان أعظم من عمل من بعدهم وأن الشرور في وقتهم والفتن في وقتهم لم تنتشر وتشيع كما كانت في العصور التي كانت بعد عصر الصحابة وعصر التابعين ثم من بعدهم.
إن بوادر الفتن التي ظهرت في عهد الصحابة رضي الله عنهم كانت بوادر خفيفة وليست من الفتن المغلظة والبدع الشديدة التي يحصل بها زيغ القلوب وطيش الألباب.
(1) آل عمران: 164 .
(2) أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة برقم 8595 .
(3) أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة برقم 8595 .
(4) أخرجه البخاري في الفتن برقم 6541 .
(5) النساء: 83
(6) النساء: 83
(7) أخرجه البخاري في الفتن برقم 6538
(8) أخرجه البخاري في النكاح برقم 4830