فيبقى المرء ما استحيا بخير ويبقى العودُ ما بقى اللحاءُ
ليس عجيباً ما نراهُ من منكراتِ الأخلاق إذا علمنا أنَّ وازعُ الحياء قد مات، حينما قلَّ الحياءُ عند بعضِ نسائِنا حادثت المرأة الرجل، ومازحت البائع، وركبت وحدها مع السائق، وضاحكت الأجانب، وتساهلت في الهاتف، حينما قل الحياء عند بعض شبابنا، رفعوا صوت الغناء، وعاكسُوا النساء، وتشبهوا بالأعداء في وسَطِ الطريقِ يرقصون، وبقصاتٍ مُضحكةٍ يظهرون، وبالحركاتِ السافلةِ يُجاهِرون، حينما قل الحياءُ فتجمعنا واستعلن البعضُ بالمنكر، فنُصبت الأطباقُ الهابطة، وجاهرَ البعضُ بأخطائهِ، فإذا يصيفُ رحلة مع عائلته إلى خارج البلاد، وذاك يحدث بكل جرأةٍ وثقةٍ عما شاهده في القنوات، وإذا لم تستح فاصنع ما تشاء .
وحينما قل الحياء قُلبت الحقائق، واستغفل الناسُ، ولبس الحق بالباطل، فأصبحَ التدين تطرفاً، والجهادُ إرهاباً، والإرهابُ دفاعاً عن النفس، وأضحي الذل سلاماً.
أيُّها المسلمون:
إن أسمى صورِ الحياءِ ومنازله هو ما كانَ مع الخالقِ جل جلاله، فنحن نطعمُ من خيرهِ، ونتنفسُ في جودهِ وندرج على أرضه، ونستظل بسمائه، والإنسانُ بازاء النعمة الصغيرةِ من مثله يخزى أن يقدم إلى صاحبها إساءة، فكيف لا يوجلُ الناس من الإساءة إلى ربهم الذي تغمرهم آلاؤه في كل حين وأن .
هب البعث لم تأتنا رسله وجاحمة النار لم تضرم
أليس من الواجب المستحق حياء العباد من المنعم
قال بعض السلف: خلف الدعم قدر قدرتهُ عليك، واستح على قدرِ قربه منك، قال r: (( استحيوا من الله حق الحياء، قلنا: إن نستحي والله يا رسول الله، الحمد لله، قال: ليس ذلك الاستحياء من الله حق الحياء، أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء ) ).
إنَّ على المستحي من الله تنزيه لسانهِ أن يخوض في باطل، وبصر أن يرمقَ عورة وينظر شهوة، وأن يحفظ أذنهُ أن تستر من سراً أو تسمع زوراً، وعليه أن يفطمَ بطنه عن الحرام، ويقنعَ بالحلالِ الميسور، ثم عليهِ أن يصرف أوقاته في مرضاةِ الله وإيثارِ ما لديه من ثواب، فلا تستخفُ به نزواتُ العيشِ ومتعهِ الخادعة، فإن فعل ذلك عن شعورٍ بأن الله يرقبهُ، ونفور من اقترافِ تفريطٍ في جنب الله، فقد استحيا من الله حق الحياء .
وإذا خلوةَ بريبةٍ في ظلمةٍ والنفسُ داعيةً إلى العصيان
فاستحي من نظرِ الإله وقل لها إنَّ الذي خلق الظلام يرانِ
والحياءُ من الناس خلقٌ حسنٌ جميل، يمنعُ المعايب، ويشيعُ الخيرَ والعفاف، قال حذيفة: لا خيرَ فيمن لا يستحي من الناس، وقال بعضُهم أحيي حياؤُك بمجالسةِ من يُستحيى منه .
ومن استحيى من الناسِ ولم يستحيي من نفسهِ فنفسهُ أحسنُ عندهُ من غيره، لأنَّهُ يراها أحقرُ من أن يُستحي منها، ومن كبرت عليه نفسهُ، كان استحياؤه منها أكثر واستحيائه من غيره، ومن ثّمَّ قال بعضُ السلف: من عملَ في السرِّ عملاً يُستحي منه في العلانيةِ فليسَ لنفسهِ عندهُ قدر، وما كرهتَ أن يطلعَ عليه الناسُ فلا تفعلهُ إذا خلوة، وفي الأثرِ: استحيي من اللهِ كما تستحي من أولي الهيبةِ من قومك.
أيها المسلمون:
قد كانَ المصطفى r يأخذ نفسهُ بالحياءِ، ويأمرُ به ويحثُ عليه، ومع ذلك فلا يمنعهُ الحياءُ من حقٍّ يقوله، أو أمرٍ ديني يفعله، تمسكاً بقوله تعالى: (( وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ) ).
وهذا هو نهاية الحياءِ وكماله وحسنه واعتداله، فإنَّ من فرط عليه الحياء حتى منعه من الحق فقد ترك الحياء من الخالق واستحيا من الخلق، ومن كان هكذا حرمَ منافع الحياء، واتصف بالنفاقِ والرياء (( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ) ) (سورة النساء:108) .
إن تركَ الحياءِ في النصح، والأمر والنهي الشرعيين من النعوتِ الإلهية، والله لا يستحيي من الحق، والذي يتهيبُ تقريعَ المُبطلين لا يعتبر حيياً في موقفِ الانتصار للحق، وفضحِ العقائد الفاسدة،ِ والتهوين من شأنِ الباطل، يعتبرُ الحياء فيها ضعفاً وخوراً ومهانة .
لا ينبغي الحياءُ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا في المطالبةِ بالحقوقِ، ولا في تعليم الجاهلِ ولا في السؤالِ عمَّا لا نعلم، ولا يتعلمُ العلم مستحيي ولا مستكبر،
وقد قالت عائشة رضي الله عنها: ( نعم النساء نساءُ الأنصار لم يمنعهنَّ الحياء أن يتفقهن في الدين ) قال r: (( لا يمنعنَّ رجلاً هيبةَ الناسِ أن يقول بحق إذا علمه أو شهده أو سمعه ) ).
إخوة الإسلام:
إنَّ اهتزازَ الإنسان، وتمعرَ وجهه في بعض المواقفِ دليلُ سمحاً من طبعِ قربه، والحياءُ خير كله .
أما إذا سقطت صبغةُ الحياءِ عن الوجه كما تسقط القشرة الخضراءِ عن العود الغصن، فقد أذنت الحياةُ الفاضلة بالضمور، وتهيأ الحطام الباقي أن يكون حطباً للنارِ، وذلك الذي يقال له: (( إذا لم تستح فاصنع ما شئت ) ).
إذا قل ماء الوجه قل حياؤه فلا خير في وجه إذا كل ماؤه
حياؤه من حفظه عليك فإنما يدل على وجه الكريم حياؤه
أقول هذا القول .
الخطبة الثانية
أما بعد:
فقفوا قليلاً: أيها المسلمون أرعوا سمعكم وعيشوا مع النموذجية والمثالية، وتقيؤا ظلالَ شجرةِ الحياء الحق، وارتشفوا من رحيقِ سلفكم ماءً زلالاً، وعسلاً مصفى .
قال أبو عبد الله محمد بن سيرين، ما غشيت امرأة قط، ولا في يقظةٍ ولا في نومٍ غير أم عبد الله، وإني لأرى المرأةَ في المنامِ فاعلم أنَّها لا تحلُ لي فأصرفُ بصري .
مرَّ عمر بن الخطابرضي الله عنه ليلاً فسمعَ امرأةً تقول:
تطاولَ هذا الليلُ واخضل جانبه وأرقني أن لا خليلَ ألاعبه
فو الله لولا اللهِ لا ربَّ غيره لحركتُ من هذا السريرِ جوانبه
مخافة ربي والحياءُ يصونني وأكرمُ بعلي أن تنالَ مراكبه
وهُاك مثالاً في الحياء والطُهر للمرأةِ المسلمة، إنَّها ابنة الرجلِ الصالح، تنحدرُ من بيتٍ قريبٍ ينضحُ بالعفافِ والطهرِ والصيانة وحسب التربة، (( فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء ) ) (سورة القصص: 25) .
قال عمر- رضي الله عنه-: (( ليست السلفع من النساء ) )أخرجه ابن ماجه .
ولكن جاءت مُستترةً قد وضعت كُم درعها على وجهها استحياء، تمشي على استحياءٍ مشية الفتاةِ الطاهرة،ِ الفاضلة العفيفة، حين تلقي الرجال، على استحياء في غير ما تبذلٍ ولا تبرج، ولا تبجج ولا إغوار، جاءته لتنهي إليه دعوةً في أقصر لفظٍ وأخصرهِ وأدله (( إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ ) ).
وهذا مثالٌ من بيتِ النبوة، فعن عائشة- رضي الله عنها- أنَّها قالت: كنتُ أدخل البيتَ الذي دُفنَ فيه رسول الله r وأبي- رضي الله عنه- واضعةً ثوبي وأقول: إنما هو زوجي وأبي، فلمَّا دُفنَ عمر -رضي الله عنه- ما دخلته إلا مشدود ت علي ثيابي، حياءً من عمر- رضي الله عنه .
والحادثةُ التالية: إن صحتَ تجسدِ قيمة الحياء .
جاءت امرأةٌ إلى النبي r يقال لها: أم خلاد، وهي متنقبة تسألُ عن ابنها، وهو مقتول، فقيل لها: جئت تسألينَ عن ابنك وأنت منتقبة، فقالت: إن أرزأ ابني فلن أرزأ حياتي .
وفي زمننا هذا، هاكم هذا الموقف العجيب .