فامتحن إيمانك بهذا وكن مع الصادقين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (( الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلقَدْ فَتَنَّا الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَليَعْلمَنَّ اللهُ الذِينَ صَدَقُوا وَليَعْلمَنَّ الكَاذِبِينَ ) ) ( العنكبوت:1-3) .
أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين ...
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين قال في محكم التنْزيل: (( هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ) ) (المائدة:119) .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له حكم بنصرة الحق ونصرة المؤمنين، وكان حقاً علينا نصر المؤمنين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أوصى بالصدق ونهى عن الكذب، والحسد والبغضاء فقال: (( عَليْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّهُ مَعَ البِرِّ وَهُمَا فِي الجَنَّةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالكَذِبَ فَإِنَّهُ مَعَ الفُجُورِ وَهُمَا فِي النَّارِ، وَسَلُوا اللهَ اليَقِين وَالمُعَافَاةَ فَإِنَّهُ لمْ يُؤْتَ أَحَدٌ بَعْدَ اليَقِينِ خَيْرًا مِنْ المُعَافَاةِ، وَلا تَحَاسَدُوا وَلا تَبَاغَضُوا وَلا تَقَاطَعُوا وَلا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا كَمَا أَمَركَم الله ) ) [7] .
اللهم صلي وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد أيها المسلمون: فاكتفي بذكر بعض هذه السمات للمتقين وليس هذا حصراً لها، وهذه السماتُ منها ما يصلح أن يكون سبباً للصدق مع الله، ومنها ما يصلح أن يكون ثمرةً للصدق، ومع ذلك أشير إلى بعض ثمار الصدق الأخرى، فإن الصدق يورث في الحياة الدنيا طمأنينة النفس، وراحة القلب، فليس ينتابُ الصادق أكثر من شعور ولا تتوزع نفسهُ بين مسايرة الخلق وإرضاء الخالق، مهمُّته واحدة وظاهره وباطنه، وسريرته وعلانيته سواء وكم يُعذّب الكاذبُ نفسه؟ وكم يؤلم قلبه وهو يحتاج للظهور في هذا الموقف بمظهر، وللموقف الآخر بمظهر آخر حتى وإن كان في أحدهما مخالفةٌ لشرع الله، وحين يكسب الصادق ثقة الناس ويكون محلاً للقبول والمحبة عندهم، يكون الكاذب بعكس ذلك فيستوحش الناسُ منه ويستوحش هو منهم، بل ربما استوحش من نفسه في النهاية، وما باله لا يستوحش إذا قلاه الناسُ، فحديثهُ غير مصدق، وليس له من قبول أو محبة بين الصادقين بل وحسبه أن يكذبه الناس ولو كان صادقاً وصدق الشاعر:
حسبُ الكذوب من البليةِ *** بعضُ ما يُحكى عليه
فإذا سمعت بكذبةٍ *** من غيره نُسبت إليه
(الصدق والصادقون168)
ومن ثمار الصدق: الخيرُ والبركةُ والنماء في النفس والمال والولد ويكفيك أن تعلم حديث المصطفى في البيعين الصادقين أو الكاذبين: (( فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا ) ) [8] .
ومن آثار الصدق: تفريجُ الشدائد وكشف الكربات فإن من يصدق مع الله حال الرخاء يكن الله معه في حال الشدة، ومن يتق الله يجعل له مخرجاً، وفي صدق الثلاثة الذين خلفوا درس بليغ في ثمار الصدق العاجلة في الدنيا، وفي كذب المنافقين واعتذاراهم ما هو جدير بإقلاع الكاذبين عن كذبهم لو فقهوا.
ومن ثمار الصدق: الهداية للحق قال تعالى: (( وَالذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلنَا وَإِنَّ اللهَ لمَعَ المُحْسِنِينَ ) ) (العنكبوت:69) .
ومن ثماره أيضاً: التوفيق لحسن الخاتمة وتلك التي شّمر لها المشمرون، وأقضت مضاجع الصالحين، وأوجلت قلوب العارفين، أجل إن الصدق مع الله طريق موصل إليها بإذن الله وتأمل حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (( وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقاً ) ) [9] .
وإذا كانت هذه بعض ثمار الصدق في الدنيا، فيكفي الصادقين منْزلة في الآخرة أن يقول الله بشأنهم: (( هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ) ) (المائدة:119) .
قال القرطبي رحمه الله معلقاً على هذه الآية: وإنما ينفع الصادقين صدقُهم في ذلك اليوم وإن كان نافعاً في كل الأيام لوقوع الجزاء فيه (7/142 ) .
إخوة الإسلام: وربما تساءل البعض منكم وكيف يسلك الإنسانُ بنفسه مسلك الصالحين، وما هي الأسباب الجالبة للصدق؟
وللإجابة على ذلك أقول - كما سلف - إن التخلق بأخلاق الصادقين وتدريب النفس على سمات الصادقين السابقة خير معين على ذلك وأضيف هنا أسباباً معينة أخرى ومنها:
مصاحبة الصادقين والاقتداءُ بهم والانضمام إلى قافلتهم، قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ) ) (التوبة:119) .
روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (( لولا ثلاث لما أحببت البقاء في الدنيا، لولا أن أحمل على جياد الخيل في سبيل الله، ومكابدة الليل، ومجالسة أقوامٍ ينتفون أطايب الكلام كما ينتقي أطايبُ الثمر ) ) [10]
أما الصادقون السابقون فإن قراءة سيرهم والتعرف على أخبارهم تعين على الاقتداء بهم وتروض النفس على مسايرتهم.
ومما يعين على الصدق ويلحقُ بركب الصادقين النظر بتمعن في عواقب الصدق العاجلة والآجلة ومن كانت له بصيرة فسيختار الباقي على الفاني ولن يؤثر الحياة الدنيا على الآخرة.
ومما يعين على جلب الصدق والعمل به، الدعاءُ لله بقلب خاشع أن يكون الإنسان في زمرة الصادقين والله تعالى لا يخيب الرجاء، ولا يرد أكفاً صادقة رفعت للسماء فارغة.
وهل علمت يا أخا الإيمان أن الإيمان يزيد وينقص، وإن النفس في إقبال وإدبار، وإن مما يضبط مسيرتها دوامُ الصلة به والدعاء.
وتأمل حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: (( إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم ) ) [11] .
اللهم جدد الإيمان في قلوبنا...اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهم اجعلنا من الصادقين في أقوال وأعمالنا ونياتنا وسائر أحوالنا،إنك سميع الدعاء ..
[1] رواه ابن ماجة، وقال في الزوائد إسناده صحيح، ورجاله ثقات، وهو في صحيح الجامع 5/3، وانظر: ظاهرة ضعف الإيمان/المنجد/17) .
[2] (صحيح الجامع 6/216) .
[3] رواه أحمد وصححه شاكر 18/17، عن الجليل وكونوا مع الصادقين/ صفحة100) والمؤمن يألف ويؤلف، صحيح الجامع 6/7) .
[4] (الفوائد/149، عن الجليل/102) .
[5] رواه أحمد والترمذي وابن ماجة بسند صحيح (صحيح الجامع الصغير 6/253) .
[6] رواه أحمد في مسنده، وهو في السلسلة الصحيحة (1137) . المنجد/ظاهرة ضعف الإيمان (19) .
[7] رواه أحمد وغيره بسند صحيح، صحيح الجامع الصغير (4/49) .
[8] متفق عليه.
[9] وانظر: الجليل صفحة 154) .
[10] (الجليل/163) .
[11] رواه الطبراني والحاكم بسند صحيح، صحيح الجامع (2/56) .