إخوة الإيمان: وإذا كانت الطاعات منها الفرضُ الواجب، ومنها المشروعُ المسنون، ومنها الطارئ ومنها المستديم، فلاشك أن قبول السنة مرهون بأداء الفرض الواجب، وأن المحافظة على ما يتكرر في اليوم والليلة خمسة مرات دليل على القدرة على فعل ما يتكرر دون ذلك من القربات، أجل إن من علامات الصدق مع الله محافظة العبد على الصلوات المكتوبة بأوقاتها وخشوعها مع جماعة المسلمين، قال الله تعالى في بدء صفات المؤمنين: (( قَدْ أَفْلحَ المُؤْمِنُونَ * الذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ) )، وقال في نهايتها: (( وَالذِينَ هُمْ عَلى صَلوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ) ) (سورة المؤمنون: 1، 2، 9) .
ولك أن تفهم قيمة الخشوع والمحافظة على الصلاة من هذه الآيات وغيرها.
وتأمل العلاقة بين الصدق والصلاة في قوله تعالى: (( فَلا صَدَّقَ وَلا صَلى * وَلكِن كَذَّبَ وَتَوَلى ) ) (القيامة: 31، 32) .
يا أخا الإسلام: ومع حرصك على عمل الصالحات والإكثار من القربات فكن وقافاً عند حدود الله منتهياً عن محارم الله، وإياك واستسهال الذنوب، وعالج نفسك عن الاجتراء على محارم الله في حال خلوتك، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم محذراً أمته من هذا الصنف وموضحاً حالهم: (( لأَعْلمَنَّ أَقْوَاماً مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بيضاء فَيَجْعَلُهَا اللهُ عَزَّ وَجَل هَبَاءً مَنْثُورًا، إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ الليْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلوْا بِمَحَارِمِ اللهِ انْتَهَكُوهَا ) ) [1] .
يا أخا الإيمان: وكلما أخفيت ما يمكن إخفاؤه من عبادتك فهو بالصدق أولى وبالإخلاص أحرى، فصدقةُ السرِّ تطفئُ غضب الرب، وصاحبُها أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظلهُّ، والصلاة في جوف الليل من سيما الصادقين، وأفضل الصلاة صلاةُ المرء في بيته إلا المكتوبة (صحيح الجامع 3/245) .
وتذكرُ عظمة الله في حال الخلوة والخشوع بين يديه ،وسكب العبرات حين الوِحْدة من علائم الصدق، وأنت خبير بجزاء من ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، وهاك طرفاً من سير الصادقين في ذلك، يقول عبدُ الله بن المبارك عن مبارك، عن فضالة عن الحسن قال:"إن كان الرجلُ لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجلُ لقد فقه الفقه وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزورُ وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواماً ما كان على الأرض من عمل يقدرون عليه أن يعملوه في السرِّ فيكون علانية أبداً ... (تفسير ابن كثير لآية الأعراف 55، عن الجليل 108، 109) ."
السمة الثالثة: سلامةُ القلب من الشرك والفساد، والغلِّ والحقد والحسد ومثيلاتها من أمراض القلوب، ورديء الأخلاق، ويا فوز من ينام حين يجنُّ المساء وليس في قلبه غلُّ أو كره أو غش وحسد لأحدٍ من المسلمين وكفى بهذه الخصلة فخراً أن تكون سبباً في دخول صاحبها الجنة، كما في خبر المبشرِّ بالجنة عن الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام، ومع هذه البشارة في الدنيا، فليس ينفعُ يوم القيامة مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وفي مقابل ذلك: (( الإِيمَانُ وَالحَسَدُ لا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلبِ عَبْدٍ ) ) [2] كما صح الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَنْ غَشَّنَا فَليْسَ مِنَّا، والمكرُ والخِداع في النار ) ) (صحيح الجامع 5/326) . (( والمؤمن مؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يُؤلف ) ) [3] .
فأصلحوا قلوبكم وعالجوا أمراضها تكونوا من الصادقين.
ومن علامات الصدق وسيما الصادقين حفظ الأوقات واستثمارها في ما يقرب إلى الله وعدمُ إضاعة الأعمار في اللهو واللعب، يقول أحدُ العارفين:"فإذا عرف العبدُ أن الحياة ما هي إلا أنفاسٌ تتلاحق، ودقائقُ تتسابق، وأنه لو أحصى حظهَّ منها لوجده ينقص كثيراً عن عُمِر بعض الطيور والزواحف والأشجار فضلاً عن أعمار الكواكب والنجوم، فضلاً عن عمر الكون كلهِّ، فضلاً عن مدى عالمي الغيب والشهادة مجتمعين، وعلم مع هذا أنه مخلوق لحكمةٍ واضحة وغايةٍ محددة هي عبادة ربه سبحانه وحده لا شريك له، فلابد أن يحرص أشد الحرص على حفظ الوقت وإشغاله بالعبودية وإعمال البدن في الطاعة، وإلا اعتراه النقصُ في إيمانه بقدر ما يعتريه من نقص في ذلك" (د. سفر، ظاهرة الأرجاء في الفكر المعاصر ص111،عن الجليل/ 100، 101) .
وشعور الصادقين بأهمية الوقت واستثماره مبعثُ شعورهم بقصر الأمل وغيرُ الصادقين يتثاقلون في أعمالهم ويستبطئون بطول آمالهم وأولئك ذمهم الله في كتابه وتوعدهم فقال: (( ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) ) (الحجر: 3) .
وقال علي رضي الله عنه: إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطولُ الأمل، فأما اتباع الهوى فيصدُّ عن الحق ، وأما طولُ الأمل فينسي الآخرة (فتح الباري 11/236)
طول الأمل لما يتولد منه من الكسل عن الطاعة، والتسويف في التوبة والرغبة في الدنيا والنسيان للآخرة والقسوة في القلب.
قال تعالى: (( فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُون ) ) ( السابق /237 عن ظاهرة ضعف الإيمان للمنجد صفحة 30)
السمة الخامسة: الزهدُ في مدح الناس وثنائهم، فإذا وجدت من يعمل الخير ولا ينظر إلى مدح الناس وثنائهم، بل قلبه معلقُ بالله وعمله خالصاً له فاعلم أنه من الصادقين.
يقول ابن القيم رحمه الله: (لا يجتمع الإخلاص في قلب ومحبةُ المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماءُ والنار والضبُّ والحوت، فإذا حدثتك نفسُك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمعُ أولاً فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، ويُسَهِّلُ عليك ذلك يقينُك أنه ليس من شيء يُطمع فيه إلا وبيد الله وحده خزائنُه لا يملكه ولا يهبه سواه، ويقينُك كذلك أنه ليس أحد ينفع مدحُه ويزين، ويضر ذمُّه ويشين إلا اللهُ وحده ) [4] .
السمة السادسة: الاهتمامُ بأمر هذا الدين والشعورُ بقضايا المسلمين، فليس الصدقُ مع الله كلماتٍ تقال باللسان، أو مجرد أمانٍ ليس لها من رصيدٍ في واقع الحياة، والصادقون همهُم نصرةُ هذا الدين والجهادُ في سبيله، والقولُ بالحق والعملُ به في حال السراءِ والضراء، إذ من الناس من يقول الحقَّ وينتصر له في حال غلبة الحق ونصرة أهله، فإذا خُنق الحقُّ أو ضُيق على المحقين تراجع وآثر السلامة في ظنّه، والسلامةُ في الصدق مع الله والثبات على الحقِّ أو قال بغير ما يعتقد أنه الحقُّ مجاراةً للآخرين، وتلك الطامةُ الكبرى والبليةُ العظمى.
إخوة الإسلام: وليس من لوازم الاستمساك بالحق والاهتمام بهذا الدين تعريضُ النفس للبلاء فوق ما تستطيع، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِل نَفْسه: يتعرض للبلاء لما لا يطيق ) ) [5] .
ألا وإن من لوازم الإيمان وسيما الصادقين الاهتمام بقضايا المسلمين، وتأمل هذا التصوير البديع لعلاقة المؤمن بإخوانه المؤمنين يجُليه محمد صلى الله عليه وسلم حين يقول: (( إن المُؤْمِنُ من أَهْلِ الإِيمَانِ بِمَنْزلة الرَّأْسِ من الجَسَدُ، يَأْلمُ المُؤْمِنُ لأَهْلِ الإِيمَانِ كمَا يَأْلمُ الجسد لِمَا فِي الرَّأْسِ ) ) [6] .