فهرس الكتاب

الصفحة 8880 من 9994

والتجارب لها أهمية بالغة في حياة العقلاء، ولذلك فقد انتقد العقلاء من طال عمره ولم تزده الأيام حنكة وخبرة، فقد قال أهل الأدب:"إذا رأيت ذا العمر الطويل والسنِّ القديم يكثر التعجب مما يرى ويسمع، فذلك لقلة حفظه التجارب، ولسهوه عمّا مرّت به عليه الليالي" [1] .

وقالوا:"الفهم خزانة العقل، ونور يبصر به ما أمامه، وإنما نكص على عقبيه من خانه فهمه، وخذله عقله، ضيع ما استودعته الأيام، فكأنه ابن يومه، أو نتيج ساعته، وحسبك مؤدبا لخصالك، ومثقفا لعقلك: ما رأيته من غيرك، من حسن تغبط به، أو قبيح تذُمّ عليه" [2] .

كما أن هذه الكلمات مما يكون معينا للمرء في كتاباته وإلقائه ودروسه، لعذوبة ألفاظها وحلو معانيه، وقد قال عبد الملك بن مروان:"مالناس إلى شيء من الأدب أحوج منهم إلى إقامة ألسنتهم التي بها يتعاودون الكلام، ويتعاطون البيان، ويتهادون الحكمة، ويستخرجون غوامض العلم من مخابئه، ويجمعون ما تفرق منه، فإن الكلام قاض يحكم بين الخصوم، وضياء يجلو الظُّلم، حاجة الناس إلى موادِّه حاجتهم إلى مواد الأغذية" [3] .

وقال بعض الأدباء:"إن أمكنك أن تبلغ من بيان وصفك وبلاغة منطقك، واقتدارك على فصاحتك أن تفهم العامة معاني الخاصة، وتكسوها الألفاظ المبسوطة التي لا تلطف عن الدهماء ولا تجل عن الأكفاء، فأنت البليغ الكامل" [4] .

فكم يحسن بالمرء أن يتأملها في حال فراغه، وبحثه عن أنيس لمجلسه، وأن يتحرى حين النظر بها راحة فكره، وتخلصه مما يشوش عليه ذهنه، فإن ذلك مما يعينه على الإدراك والفهم، قال منذر بن الجارود لابنٍ له يوصيه:"أَعمِل النظر في الأدب ليلاً، فإن القلب بالنهار طائر وهو بالليل ساكن، فكلما أوعَيْتَ فيه شيئا عقله" [5] .

ولا ينسى بين ذلك أن يجمّل القول بالعمل فيما لا يخالف الشرع، فإنما بركة الخير بتحريه والحرص على اغتنامه.

وقد قسمت هذا الكتاب إلى فقرات، ووضعت عند كل فقرة عنوانا مناسب، يشير إلى مضمونها حسب الوسع والإمكان.

والذي أرجوه من قارئ هذه العبارات ـ إنِ انتفع بها ـ أن يخص جامعها ومنتقيها ـ كاتب هذه السطور ـ بدعوة صالحة، علها توافق موضع إجابة.

هذا وأسأل الله تعالى أن يرزقنا الإخلاص والقبول، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

كتبه

سالم العجمي

15 شوال 1424هـ

أفضل الميراث الأدب..

الأدب خير ميراث، وحسن الخلق خير قرين، والتوفيق خير قائد، والاجتهاد أربح بضاعة، ولا مال أعود من العقل، ولا مصيبة أعظم من الجهل، ولا ظهير أوثق من المشورة، ولا وحدة أوحش من العجب.

الأدب في الصغر غنيمة..

من أُدِّب صغيرا قرت عينه كبيراً، ومن أدّب ابنه أرغم أنف عدوه، وما ورّثت الآباءُ الأبناءَ شيئا أفضل من الأدب، إنها إذا ورثتها الآداب كسبت بالآداب الأموال والجاه والإخوان والدين والدنيا والآخرة، وإذا ورثتها الأموال تلفت الأموال، وقعدت عُدْما من الأموال والآداب.

حسن الأدب ليس معه غربة..

ثلاثة ليس معها غربة: مجانبة الريب، وكف الأذى، وحسن الأدب.

ومن حسن الأدب ألا تنازع من فوقك، ولا تقول ما لا تعلم، ولا تتعاطى ما لا تنال، ولا يخالف لسانك ما في قلبك، ولا قولك فعلك، ولا تدع الأمر إذا أقبل، وتطلبه إذا أدبر.

لا أدب إلا بعقل..

لا أدب إلا بعقل، ولا عقل إلا بأدب، هما كالنفس والبدن، فالبدن بغير نفس جثة لا حراك به، والنفس بغير بدن قوة لا ظهور لفعله، فإذا اجتمعا وتركبا نهضا وفَعَلا.

طبقات أهل الأدب..

الأدب سند الفقراء وزين الأغنياء، والناس في الأدب متفاوتون، وهم على ثلاث طبقات: أهل الدين وأهل الدنيا وأهل الخصوصية من أهل الدين، فأما أهل الدنيا فإن أكثر آدابهم في الفصاحة والبلاغة وحفظ العلوم، وأسماء الملوك، وأشعار العرب، ومعرفة الصنائع.

وأما أهل الدين فإن أكثر آدابهم في رياضة النفوس، وتأديب الجوارح وطهارة الأسرار، وحفظ الحدود، وترك الشهوات، واجتناب الشبهات، وتجريد الطاعات، والمسارعة إلى الخيرات.

وأما الخصوصية فإن أكثر آدابهم في طهارة القلوب، ومراعاة الأسرار، والوفاء بالعقود بعد العهود، وحفظ الوقت، وقلة الالتفات إلى الخواطر والعوارض والبوادي والطوارق، واستواء السر مع الإعلان، وحسن الأدب في مواقف الطلب، وأوقات الحضور والقربة والدنو والوصلة ومقامات القرب.

الأدب رفعة لأهله..

من كثر أدبه شرُف وإن كان وضيعاً، وساد وإن كان غريباً، وكثرت الحاجة إليه وإن كان فقيراً، والأدب يُحرز الحظ، ويؤنس الوحشة وينفي الفاقة، ويعرِّف النكرة، ويُثمِّر المكسبة، ويكمد العدو، ويكسب الصديق، وناهيك من شرف الأدب أن أهله متبوعون والناس تحت راياتهم، فيعطف ربك تعالى عليهم قلوبا لا تعطفها الأرحام، وتجتمع بهم كلمة لا تأتلف بالغلبة، وتُبذل دونهم مهج النفوس.

ومن شرف الأدب أن يتشعب منه التشرف وإن كان صاحبه دنيّا، والعز وإن كان صاحبه مهينا، والقرب وإن كان صاحبه قصيّا، والغنى وإن كان صاحبه فقيرا، والنبل وإن كان صاحبه حقيرا، والمهابة وإن كان وضيعا، والسلامة وإن كان سفيها، وسمع بعض الحكماء رجلا يقول: أنا غريب، فقال: الغريب من لا أدب له.

أحسن الحلية الأدب..

أحسن الحلية الأدب، ولا حسب لمن لا مروءة له، ولا مروءة لمن لا أدب له، ومن تأدب من غير أهل الحسب ألحقه الأدب بهم.

خير ما أعطي الرجل..

خير ما أعطي الرجل غريزة عقل، فإن لم يكن فأدب حسن، فإن لم يكن فأخ صالح يستشيره، فإن لم يكن فصمت طويل، فإن لم يكن فموت عاجل.

عدم العقل أشد الفاقة..

من عُدم العقل لم يزده السلطان عزاً، ولا المال يرفعه قدراً، ولا عقل لمن أغفله عن أخراه ما يجد من لذة دنياه، فكما أن أشد الزَّمانة الجهل، كذلك أشد الفاقة عدم العقل.

الغم يزري بالعقل..

لا يجب للعاقل أن يغتم، لأن الغم لا ينفع، وكثرته تُزري بالعقل، ولا أن يحزن، لأن الحزن لا يردُّ المرزأة، ودوامه ينقص العقل، والعاقل يحسم الداء قبل أن يبتلي به، ويدفع الأمر قبل أن يقع فيه، فإذا وقع فيه رضي وصبر، والعاقل لا يخيف أحداً أبداً ما استطاع، ولا يقيم على خوف وهو يجد منه مذهب، وإذا خاف على نفسه الهوان طابت نفسه عما يملك من الطارف والتالد، مع لزوم العفاف، إذ هو قطب شُعب العقل.

قرب العاقل خير كله..

قرب العاقل مَرْجُوّ خيره على كل حال، كما أن قرب الجاهل مَخُوف شره على كل حال.

أمور تفسد العقل..

الواجب على العاقل أن يجتنب أشياء ثلاثة، فإنها أسرع في إفساد العقل من النار في يبيس العوسج: الاستغراق في الضحك، وكثرة التمني، وسوء التثبت.

فضل العقل..

كفى بالعاقل فضلاً ـ وإن عدم المال ـ: بأن تُصرف مساوئ أعماله إلى المحاسن، فتجعل البلادة منه حلماً، والمكر عقلاً، و الهذر بلاغة، والحدة ذكاء، و العي صمتاً، والعقوبة تأديباً، والجرأة عزماً، و الجبن تأنياً، والإسراف جوداً، والإمساك تقديراً، فلا تكاد ترى عاقلاً إلا موقراً للرؤساء، ناصحاً للأقران، مواتياً للإخوان، متحرزاً من الأعداء، غير حاسد للأصحاب، ولا مخادع للأحباب، ولا يتحرش بالأشرار، ولا يبخل في الغنى، ولا يشره في الفاقة، ولا ينقاد للهوى، ولا يجمع في الغضب، ولا يمرح في الولاية، ولا يتمنى مالا يجد، ولا يكتنز إذا وجد، ولا يدخل في دعوى، ولا يشارك في مراء، ولا يُدلي بحجة حتى يرى قاضياً، ولا يشكو الوجع إلا عند من يرجو عنده البرء، ولا يمدح أحداً إلا بما فيه، لأن من مدح رجلاً بما ليس فيه فقد بالغ في هجائه، ومن قبل المدح بما لم يفعله فقد استهدف للسخرية.

بالعقل تحيا النفوس..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت