فهرس الكتاب

الصفحة 4822 من 9994

قال السيوطي في حاشية النسائي: ويمكن أن يوجه بأن لفظ القوم مفرد لفظًا وجمع معنى، فروعي إفراد اللفظ في جانب الخبر، كما روعي اللفظ في إرجاع الضمير في قوله تعالى: كلتا الجنتين آتت حيث أفرد آتت. {تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي}

قال النووي: قال العلماء: بني البيت خمس مرات، بنته الملائكة، ثم إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم قريش في الجاهلية، وحضر النبي صلى الله عليه وسلم هذا البناء وله خمس وثلاثون سنة، وقيل: خمس وعشرون سنة، وفيه سقط على الأرض حين رفع إزاره، ثم بناه الزبير، ثم الحجاج بن يوسف، واستمر إلى الآن (عصر النووي) على بناء الحجاج، وقيل بني مرتين أخريين أو ثلاثًا.

قال العلماء: ولا يغير عن هذا البناء، وقد ذكروا أن هارون الرشيد سأل مالك بن أنس عن هدمها وردها إلى بناء ابن الزبير للأحاديث المذكورة في الباب.

فقال مالك: نشدتك بالله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت لعبة للملوك، لا يشاء أحد إلا نقضه وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس. {تحفة الأحوذي}

وقد استخدم الإمام مالك قاعدة: درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وهي ذات القاعدة المستنبطة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن هدم الكعبة وإعادة بنائها، فأفتى هارون الرشيد بأن ترك مصلحة هدم الكعبة وإعادتها على قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام، يؤخر عن مفسدة ذهاب هيبة الكعبة من قلوب المسلمين.

-وعن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صَلَّوْا. {أخرجه مسلم وغيره}

قال ابن القيم: إن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإن كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه، وأبغض إلى الله ورسوله، لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله تعالى يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر. {إعلام الموقعين}

فمفسدة الفتنة التي تتأتى من الخروج على الحكام تقدم على مصلحة تغيير الحاكم بحاكم طائع لله ورسوله.

-وعن بُسر بن أرطاة- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول:"لا تقطع الأيدي في الغزو". {أخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذي، ورواية النسائي: في السفر بدلاً من الغزو، وقوَّى إسناده الحافظ في الإصابة، وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود والنسائي والترمذي}

فمصلحة تطبيق حدود الله التي أمر بها، أُخِّرَت عن مفسدة لحوق صاحب الحد بالمشركين حمية وغضبًا.

-عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لعن زوَّارت القبور. {أخرجه الترمذي وابن ماجه وابن حبان وغيرهم}

*فوائد:

1-هذا الحديث اختلف أهل العلم فيه بين تحسينه وضعفيه، فمنهم من ضعفه بطرقه كلها، ومنهم من حسنه، ومال الشيخ الألباني إلى تحسينه في كتاب أحكام الجنائز.

2-زيارة النساء للمقابر، اختلف فيها أهل العلم على أقوال ثلاثة:

القول الأول: الجواز.

القول الثاني: الكراهة، وهؤلاء حاولوا التوفيق بين أدلة القائلين بالجواز والقائلين بالمنع.

القول الثالث: المنع. ولعل أرجح الأقوال- إن شاء الله- القول بالجواز، لأن أدلة القائلين بالمنع ضعيفة ولا تخلو من مقال.

3-على تقدير صحة الحديث، فإن لفظة"زوارت"إنما يدل على لعن النساء اللاتي يكثرن الزيارة، بخلاف غيرهن فلا يشملهن اللعن، فلا يجوز حينئذٍ أن يعارض بهذا الحديث الأحاديث الدالة على استحباب الزيارة للنساء.

قال القرطبي: اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة، ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج، وما ينشأ من الصياح ونحو ذلك، وقد يقال: إذا أُمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لهن، لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء.

قال الشوكاني في نيل الأوطار: وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر.

وإلى هذا الجمع أيضًا ذهب الصنعاني في سبل السلام. {أحكام الجنائز للألباني، فتح الباري، الآداب الشرعية للنساء في زيارة المقابر: لعمرو عبد المنعم}

فنهى النبي صلى الله عليه وسلم النساء عن الإكثار من زيارة القبور رغم ما فيها من مصلحة ظاهرة، كترقيق القلوب والتذكير بالآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت