فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
يقول ابن القيم: أما النساء فإن هذه المصلحة (زيارة القبور) وإن كانت مطلوبة منهن، لكن ما يقارن زيارتهن من المفاسد التي يعلمها الخاص والعام، من فتنة الأحياء، وإيذاء الأموات، والفساد الذي لا سبيل إلى منعه إلا بمنعهن، أعظم مفسدة من مصلحة يسيرة تحصل لهن بالزيارة، والشريعة مبناها على تحريم الفعل إذا كانت مفسدته أرجح من مصلحته، ورجحان هذه المفسدة لا خفاء به، فمنعهن من الزيارة من محاسن الشريعة. تهذيب السنن نقلاً عن قواعد إعلام الموقعين، مع الأخذ في الاعتبار أن ابن القيم ممن يقولون بمنع النساء من زيارة المقابر، وقد ذكرنا أن الراجح هو الجواز، والله أعلم.
ثالثًا: من فروع القاعدة وتطبيقاتها في المعاملات:
منها: يمنع الشخص من التصرف في ملكه إذا كان تصرفه يضر بجاره ضررًا فاحشًا، لأن درء المفاسد عن جاره أولى من جلب المنافع لنفسه.
ومنها: الحجر على السفيه.
ومنها: ليس للإنسان أن يفتح كوة تشرف على مقر نساء جاره، بل يكلف أن يتخذ فيها ما يقطع النظر.
ومنها: كذلك ليس له أن يحدث في ملكه ما يضر بجاره ضررًا فاحشًا بينًا كاتخاذه بجانب دار جاره طاحونًا مثلاً يوهن البناء أو كنيفًا (2) أو بالوعة تضر بجدار دار جاره.
ومنها: اتخاذ الشخص في داره فرنًا يمنع جاره من السكنى في داره بسبب الرائحة والدهان. {الوجيز في شرح القواعد الفقهية د. عبد الكريم زيدان}
وإذا كان الضرر لا يزول إلا برفعه بالمرة فإنه يرفع (المادة 1212 من مجلة الأحكام العدلية) ، وإن كان لمحدثه منفعة في إبقائه لأن درء المفاسد أولى من جلب المنافع.
وجواز الكذب بين المتعادين للإصلاح (هذا ورد في حديث للنبي صلى الله عليه وسلم من أنواع الكذب الثلاثة الجائزة، وهي: الكذب في الحرب، وكذب الرجل على امرأته، طلبًا لحسن معاشرتها، والكذب بين المتخاصمين للإصلاح) ، {شرح القواعد الفقهية لأحمد الزرقا}
رابعًا: نظائر للقاعدة:
1-تحصيل أعلى المصلحتين وإن فاتت أدناهما:
يقول ابن القيم: إن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح بحسب الإمكان، وأن لا يفوت منها شيء، فإن أمكن تحصيلها كلها حصلت، وإن تزاحمت ولم يمكن تحصيل بعضها إلا بتفويت البعض، قدم أكملها وأهمها وأشدها طلبًا للشارع.
{مفتاح دار السعادة عن القواعد الفقهية لإعلام الموقعين}
ومما يشهد لذلك ويقويه ما رواه أبو هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان". {متفق عليه}
فقد دل الحديث على أن المصالح التي أتى بها هذا الدين، متفاوتة في العلو والرتبة، فإذا كان أعلاها متمثلاً في شهادة التوحيد، وأدناها متمثلاً في إماطة الأذى عن الطريق، فإن ما بين هذين الطرفين من المصالح متدرج في العلو والنزول بينهما حسب مدى القرب والبعد إلى كل منهما.
ومن فروع ذلك: إن تمليك مصلحة الرجال الطلاق أعلى وأكبر من مصلحة سدِّه عليهم.
ومنها: أن السَّمر بعد العشاء ذريعة إلى تفويت قيام الليل، فإن عارضه مصلحة راجحة كالسَّمر في العلم ومصالح المسلمين لم يكره.
ومنها: تأخير الحدّ لمصلحة راجحة، إمَّا من حاجة المسلمين إلى المحدود، أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار، وتأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل والمرضع، وعن وقت الحر والبرد والمرض، فهذا لمصلحة المحدود، فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى.
{إعلام الموقعين، عن القواعد الفقهية المستخرجة منه}
2-دفع أعلى المفسدتين وإن وقع أدناهما:
يقول ابن القيم في الإعلام: إن حكمة الشارع اقتضت رفع الضرر عن المكلفين ما أمكن، فإن لم يمكن رفعه إلا بضرر أعظم منه، بقَّاه على حاله، وإن أمكن رفعه بالتزام ضرر دونه رفعه به.
ومن شواهد ذلك في الكتاب، قوله تعالى: والفتنة أكبر من القتل {البقرة: 217} .
فقدم الكفر على قتل النفس.
وقوله تعالى- حكاية عن الخضر مع موسى عليهما السلام في السفينة التي خرقها الخضر: أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر {الكهف: 79} .
فدفع المفسدة الأكبر وهي غصب الملك السفن بمفسدة أخف وهي خرق السفينة، وكذلك دفع المفسدة الأكبر ، وهي إرهاق الوالدين طغيانًا وكفرًا بمفسدة أقل وهي قتل الولد.
والنبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية صالح المشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين للمصلحة الراجحة ودفع ما هو شر منه. {فتاوى ابن تيمية- زاد المعاد- القواعد المستخرجة} .
-ومن ذلك إنكار المنكر على مرتكبه، فإن الإنكار يحتاج إلى فقه وإلى علم، حتى لا يُزال ضرر أصغر بضرر أكبر، فإنكار المنكر أربع درجات:
الأولى: أن يزول المنكر ويخلفه ضده من معروف.
الثانية: أن يقل المنكر وإن لم يزل بالكلية.
الثالثة: أن يخلف المنكر ما هو مثله.
الرابعة: أن يخلف المنكر ما هو شرٌّ منه.