فهرس الكتاب

الصفحة 7858 من 9994

أيُّها المسلمون: إنَّ رعاية أمور اليتيم والقيام بالإصلاح له يشمل كل احتياجاته التي يحتاجها أمثاله , ومن ذلك حُسن تربيته , وتعليمه التعليم المناسب لأمثاله , وحفظه من الضياع ومُصاحبة المفسدين , وكذلك الإهتمام بماله حِفظاً وتنمية .

ولقد رغَّب الإسلام في كفالة اليتيم ورتَّب على ذلك الجزاء العظيم , قال النبي r: (( كَافلُ اليتيمِ لهُ أو لغيرهِ أنَا وهوَ كهاتينِ في الجنَّةِ , وأشارَ بالسَّبابةِ والوُسطى ) ). [رواه مسلم] . ومعنى (( لَه أو لغيرهِ ) ): أي قريبه أو الأجنبي منه , فالقريب مثل كفالة أمِّه له أو جدِّه أو أخيه أو غيره من قرابته , وقال أيضا r: (( أنَا وكافلُ اليتيمِ في الجنةِ هكَذا ) )وأشار بالسبابة والوسطى وفرَّج بينهما . [رواه البخاري وغيره] .

قال (ابن بطال) رحمه الله: ( حقٌّ على من سمع هذا أن يعمل به ليكون رفيق النبي r في الجنة , ولا منزلة أفضل من ذلك في الآخرة ) .

وقال النبي r: (( السَّاعي عَلى الأرملةِ والمسكينِ كالمجاهدِ في سبيلِ اللهِ(وأحسبه قال) وكالقائِمِ الذي لا يفتُرْ , وكالصَّائمِ الذي لا يُفطر )). [متفق عليه] . وهذا الحديث له صلة بما نحن فيه , حيث إن الأرملة وهي التي لا زوج لها قد تكون قائمة برعاية يتامى في حجرها , فتكون رعايتها والسعي عليها رعاية لها ولمن عندها من اليتامى فينال السَّاعي ثواب الإثنين معاً , فما أعظمه من ثواب وإن زهد فيه كثيرون .

أيُّها المسلمون: ولقد حذَّر الإسلام من التصرف بمال اليتيم إلاَّ بما يعود عليه بالمصلحة والمنفعة , قال الله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} (152) سورة الأنعام , فإذا بلغ أشدَّه فيجب أن يسلم له جميع ماله ولا يجوز للوصي أن يبخس أو يأخذ منه شيئاً إلا بطيبة نفس من اليتيم بعد أن يبلغ أشده ويحصل رشده , فكل تصرف في مال اليتيم لا يقع في دائرة ما هو أحسن فهو محظور ومنهيٌّ عنه , فأكل ماله طمعاً فيه واستضعافاً له محرم ومنهي عنه , وتجميد ماله وعدم استثماره بالزراعة أو الصناعة أو التجارة محرم ومنهي عنه , وإهماله وعدم صيانته محرم ومنهي عنه , قال النبي r: (( اللهمَّ إنِّي أحرِّج حقَّ الضعيفينِ اليتيم والمَرأة ) ). [رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة وهو حديث حسن] . ومعنى الحديث: أي أُلحق الإثم بمن ضيَّع حقهما وأحذر من ذلك تحذيراً بليغاً .

أيُّها المسلمون: وإذا بلغ اليتامى مبلغ الرجال وعُلم رشدهم فيجب دفع أموالهم إليهم , قال تعالى: {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} (6) سورة النساء , فالله سبحانه وتعالى أمر بابتلاء اليتامى وهو اختبار عقولهم وتصرفهم في أموالهم , ولا يكون الإبتلاء قبل بلوغ النكاح , فإذا علمتم حسن تصرفهم بعد بلوغهم فادفعوا إليهم أموالهم ليتولوها بأنفسهم , فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأَشْهِدوا عليهم حتى لا يجحدوا تسلُّمها .

وأيضاً فإن الإشهاد يقتضي المحاسبة للأولياء على تصرفاتهم في أموال اليتامى وهذه المحاسبة تقتضي المراجعة والتدقيق قبل أن يشهدوا وفي هذا ضمان لحقِّ اليتيم , كما أن في الإِشهاد فائدة أخرى وهي أن دعوى الأوصياء أنهم دفعوا إلى اليتامى أموالهم لن تُسمع ولن تُقبل إلا أن يكون هناك من يشهد على صحة ذلك , وإلا اعتُبروا آكلين لها بغير حق وكفى بالله حسيبا .

أيُّها المسلمون: وللوصيِّ أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف إذا كان محتاجاً إلى ذلك , أما إن كان غنيَّاً بماله عن مال اليتيم فليستعفف فهو خير له , قال تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} , ولقد حذر الله تعالى الأوصياء من الظلم لليتامى الذين جعلهم الله تحت رعايتهم ووصايتهم وأمرهم بالإحسان إليهم , فكما تخشى -أيها المسلم- على أولادك الصغار الضِّعاف بعد موتك فعليك بتقوى الله في هؤلاء الأيتام , ثم بيَّن الله تعالى الوعيد الشديد على من يأكل أموال اليتامى ظلماً فقال سبحانه: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} (9-10) سورة النساء , كما حذر -سبحانه وتعالى- من استبدال الرديء من مال الوصيِّ بالطيب من مال اليتيم , قال تعالى: {وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} (2) سورة النساء , أي إثماً كبيراً .

فاحذروا أيها الأوصياء من أكل مال اليتيم فإنه من الموبقات , قال النبي r: (( اجتَنبوا السَّبعَ الموبقَات , قيلَ يَا رسولَ الله ومَا هنَّ ؟ فذكرهن إلى أن قال: وأكلُ مالِ اليَتيم ) ). [رواه البخاري ومسلم وغيرهما] , قال ابن دقيق العيد رحمه الله: ( أكلُ مال اليتيم مجلَبٌ لسوء الخاتمة ) والعياذ بالله .

أيُّها المسلمُون: هذا في شأن اليتيم الذي له مال , أما اليتيم الفقير الذي لا مال له , فقد جعل الله له نصيباً من تركات المتوفين إذا حضر قسمة التركات ما لم يكن وارثاً , قال تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا } (8) سورة النساء , قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنها محكمة وليست بمنسوخة . [ذكره البخاري في صحيحه] .

عبادَ الله: إن خير البيوت بيت فيه يتيم يُحسن إليه , وإن شرَّ البيوت بيت فيه يتيم يُهان ويُساء إليه , فلقد نهى الله U عن ازدراء اليتيم وإهانته , وقهره واحتقاره , قال تعالى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ } (9) سورة الضحى , وذلك لضعفه , والضعف غالباً يثير الطمع في الضعيف , وجعل الاستخفاف به والجفاء نحوه من علامات التكذيب بهذا الدين , قال تعالى: بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} (1-3) سورة الماعون .

أيها الأوصياء , أيها الأعمام , أيها المسلمون: هذه وصية الله باليتيم , فاتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون , واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً .

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى , وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له , إله عظيم يعلم السرَّ والنَّجوى , وأشهد أن محمَّداً عبده ورسوله المصطفى , وخليله المجتبى صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أولو العلم والتقى , وعلى من تبعهم بإحسان وسلم تسليما .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت