اتقوا الله وكونوا رحماء بينكم , وابتعدوا عن الفظاظة والغِلظة على أهل الإيمان , واجعلوها للكفار المحاربين والمنافقين {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (73) سورة التوبة .
أيُّها الإخوة:وإذا كان الأصل في الفظاظة والقسوة وغلظ القلب أنها في قلوب الكفار , فإن من العجب أن يتصف بعض المسلمين بهذه الصفة , فيكون قاسياً على أهل بيته صلْفاً على أولاده , فظَّاً غليظاً مع والديه , شديداً على إخوانه وجيرانه وأقاربه وذوي رحِمِه , لا يرحم ضعيفاً ولا يعطف على يتيم , ولا يتألَّم لمصاب المسلمين ،قال مالك بن دينار: ( ما ضُرب عبدٌ بعقوبة أعظم من قسوة القلب , وما غضب الله على قوم إلا نزع الرحمة من قلوبهم ) .
إن من الشقاء وقسوة القلب ضربُ الزوجة والولد لأمور تافهة وسوء المعاملة , حتى لربما أثر هذا في نفسياتهم ومستقبل حياتهم ،وإن من الشقاء و قسوة القلب: سوء معاملة الوالدين وخاصة حال الكبر , وإن من قلَّة الرحمة وشقاء القلب أكل مال اليتيم وظلم عباد الله وأخذ حقوقهم وخاصة المستضعفين , ولا تُنزع الرحمة إلا من شقيّ وإنما يرحم الله من عباده الرحماء فارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء .
أيُّها النَّاس إن من أصناف الكفار الذين فقدوا الرحمة فقست قلوبهم وغلظت أكبادهم: النصارى الذين انحرفوا عن شرع الله وأشركوا بالله فتاريخهم الأسود ملطَّخ بدماء المسلمين قديماً وحديثاً , وسقوط مملكة الرومان في أيدي المسلمين , ودخول القسطنطينية , والتوغُّل في بلاد الأندلس وفرنسا ترك عند النصارى ركاماً من الأحقاد والعداوات الصليبية أدَّت إلى غزو النصارى للمسلمين والتنكيل بهم مراتٍ عديدة حتى قال المؤرخ ابن الأثير يحكي دخول النصارى إلى القدس: ( ولما دخلوا قتلوا ما يزيد على سبعين ألفاً , منهم جماعة من أئمَّة المسلمين وعلمائهم وعبَّادهم وزهَّادهم ) .
يَا كَاشِفَ الضُّرِّ صَفْحَاً عَن جَرَائِمِنَا لَقَد أحَاطَتْ بنَا يا ربُّ بَأْسَاءُ
زَلازِلٌ تَخْشَعُ الصُّمُّ الصِّلابُ لَهَا وَكيفَ يَقْوَى عَلَى الزِّلزَالِ دَهْمَاءُ
نَشْكُو إِلَيْكَ خُطُوبَاً لا نُطِيقُ لَهَا حَمْلاً وَ نَحُْن بِهَا حَقَّاً أَحِقَّاءُ
تصوروا يا أصحاب القلوب الرحيمة: أطفال المسلمين وهم يُفصلون عن أهليهم ويُركبون بالحافلات ليُذهب بهم لِمَسْخِ عقائدهم وتنصيرهم , فترى الأب وهو يُلقي نظرات الوداع على أطفاله ودموعه على عينيه لأنه لا يدري أين يذهب بهم وهم لا يدرون ما القضية
فَلَوْ تَرَاهُمْ حَيَارَى لا دَلِيلَ لَهُمْ عَلَيْهِمْ مِنْ ثِيَابِ الذُّلِّ أَلْوَانُ
وَلَوْ رَأَيْتَ بُكَاهُمْ عِنْدَ جَمْعِهِمُ لَهَالَكَ الأَمْرُ وَاسْتَهْوَتْكَ أَحْزَانُ
يَا رَبِّ أُمٌّ وَ طِفْلٌ حِيلَ بَيْنَهُمَا كَمَا تُفَرَّقُ أَرْوَاحٌ وَ أَبْدانُ
لِمِثْلِ هَذَا يَذُوبُ القَلْبُ ....
والسبب هو الحقد على المسلمين , وطمع النصارى والصِّرب منهم في تفريق جموع المسلمين حتى يُنهوا الوجود الإسلامي في بقاع المعمورة, وصدق الله حين قال {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} (118) سورة آل عمران .
فيَا أيُّها المسلمُون:
اجتهدوا في الدعاء لإخوانكم في كل مكان , ولا تيأسوا من رَوْحِ الله وإعانته , فإن الله ناصرٌ دينه ولو كره الكافرون , ووعد الله حقٌّ لا يخلف وصدق لا شك فيه
رعاية اليتيم والإحسان إليه
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين , يُثيب العاملين ويحبُّ المحسنين , وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بالعدل والإحسان , ونهى عن الظلم والعدوان وتوعَّد الظالمين .
وأشهد أنَّ محمَّداً عبده ورسوله بعثه الله رحمة للعالمين , وحجَّة على العباد أجمعين , صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أمَّا بعدُ فيَا عبَاد الله: اتقوا الله سبحانه وأحسنوا إن الله يحب المحسنين .
أيُّها المسلمُون: دين الإسلام دين الرحمة , فرحمته عمَّت جميع الخلائق ولا سيَّما الضعفاء والمساكين الذين لا حول لهم ولا قوة , فرعايتهم والعناية بهم عمل صالح وسببٌ للنصر والرزق , قال r: (( ابغوني ضعفاءَكم فَإنَّما تُنصرونَ وتُرزقونَ بضعفائِكم بِدعائِهِم واسْتغفارِهم ) ).
ومن هؤلاء الضعفاء الذين لا يهتدون لمصالحهم اليتيم , فلقد أولاه الإسلام عناية خاصة وبيَّن ما يجب نحوه من كفالة وإحسان , وحذَّر من ظُلمه والإساءة إليه , أو التعدِّي عليه وأخذ ماله , ورتَّب على ذلك الوعيد الشديد , واليتيم هو من فقد أباه في حال الصغر , قال الله تعالى في شأن نبيه وخليله محمد r {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى } الضحى6
أيُّها المسلمُون: جعل الله الإحسان إلى اليتيم ورعايته عملاً عظيماً جزاؤه الجنة , وذلك يُشعر اليتيم أنه إن كان قد فقد أباه فقد وجد في الرحماء آباءً يعطفون عليه , ويجودون بالإحسان إليه , ويتولَّون أمره ويقومون بشأنه , فلا تنكسر نفسه ولا يشعر بذلَّة أو حزن حينما يرى كل ولد بجوار أبيه يقبل بفرح إليه , ويرتمي في أحضانه , لأنه وجد في المسلمين أكثر من واحد يصنع معه ذلك .
ولقد ذكر الله U شأن اليتيم في كتابه العظيم في ثلاثة وعشرين موضعاً , فقرَّر حقَّه كاملاً ورفع عنه كل ظلم وجور , فسبحان أرحم الراحمين الذي هو أرحم بعباده من الوالدة بولدها .
أيُّها المسلم: إنَّك لو تأمَّلت في الآيات والأحاديث الواردة في شأن إكرام اليتيم والعطف عليه والإحسان إليه لوجدتها تضع اليتيم الأجنبي بعد الأقرباء في الأهمية , فما بالك باليتيم إذا كان قريباً , قال تعالى: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} (11-16) سورة البلد , وقال تعالى في شأن البرِّ: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} (177) سورة البقرة , وقال سبحانه وتعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} (215) سورة البقرة .
أيها المسلمون: ولمَّا كان هذا اليتيم الصغير لا يستطيع القيام بشؤون نفسه نصَّب الإسلام عليه وصيَّاً يتفقد حاله ويصلح شأنه , ويحفظ ماله وينميه إلى أن يصل هذا اليتيم إلى مرحلة الفهم والإدراك وحسن التصرف فيسلمه هذا الوصي ماله , ولا بد أن يكون هذا الوصي معروفاً بالرشد وحسن التصرف والأمانة وحسن الأخلاق , قال الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (220) سورة البقرة .