أيُّها الإخوة:قلب الإنسان ذو شأنٍ عجيب , ونبأٍ غريب , نعم هو مضغة صغيرة لكنه يحمل الكثير , كيف لا وصلاح الأجساد موقوف على صلاح القلوب , وفساد الأجساد موقوف على فساد القلوب , ولذلك قال النبي r: (( أَلا وإنَّ في الجسدِ مضغةٌ إذَا صلحَت صلحَ الجسدُ كلُّه , وإذَا فسدَت فسدَ الجسدُ كلُّه , أَلا وهيَ القلبُ ) ).
الله أكبر: بصلاح القلب واستقامته , وزكائه وطهارته تصلح أعمال الجوارح , وبفساده وقسوته , وفجوره وشِقْوته تفسد الأعمال وتخبث الأقوال وتسوء الأحوال .
هذه المضغة في جوف ابن آدم تحمل الحب والكُرْه , والرحمة والقسوة , والتأثّر والتأثير , بل مدار الأعمال على النية ومحل النية القلب ومن هنا قال r: (( إنَّما الأعمالُ بالنِّيات وإنَّما لكلِّ امرئٍ مَا نَوَى ) ). نعم - ( إن أعمال القلوب هي الأصل المراد المقصود , وأعمال الجوارح مكمِّلة تابعة , وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم فهي واجبة في كل وقت ) . [بدائع الفوائد] .
عبَاد الله .والقلوب ثلاثة: قلبٌ قد مُلئ إيماناً ويقيناً وسلم من الشبهات والشهوات المحرمة فصاحبه منعَّم في الدنيا والآخرة .
وقلب فيه إيمان وعليه ظلمة الشهوات وعواصف المخالفات , فللشيطان هناك إقبالٌ وإدبار ومجالات ومطامع فالحرب دول وسجال .
وأما القلب الثالث: فقلب خلا من الإيمان وجميع الخير , وقسى وظلم نفسه فهو مظلم قد اتخذه الشيطان بيتاً ووطناً عياذاً بالله من موت القلوب .
عبَاد الله . القلب يمرض كما يمرض البدن , والذي يعنينا هنا هو المرض المعنوي كالجهل وغلبة الشهوات والهوى والغفلة عن ذكر الله وصحبة الأشرار وأكل الحرام وإطلاق البصر واللسان في الحرام , فهذه لعمر الله أدواء للقلب مهلكة وله مردية .
وعلاجها بإخلاص العمل لله , ودوام ذكر الله , وأداء فرائض الله , والبعد عما حرم الله , وتلاوة القرآن , ومحاسبة النفس , وكثرة الأعمال الصالحة .
أيُّها المسلمُون:إن موضوع القلب والحديث عنه , وأمراضه وعلاجه موضوع طويل متشعِّب الجوانب , لكن الذي يعنينا هنا هو الكلام عن صفة تنطوي عليها بعض قلوب بني آدم فمن مقلٍّ ومن مستكثر , وهذه الخصلة إذا انطبعت في القلب أثَّرت في الجوارح ولا بد تلكم هي القسوة والغلظة والفظاظة التي تعني: اليبس والصلابة والشدة المذمومة التي لا يعي صاحبها الخير ولا يفعله , بل كثيراً ما يلحق الأذى والألم بالآخرين غير هيَّاب ولا وَجِل , وكلما كان المرء أشدُّ كفراً كلما كان أقسى قلباً حتى لو تصنَّع ولبس ثوباً غير ثوبه فإنه سرعان ما ينكشف على حقيقته .
وانظر إلى أهل الجاهلية - قديماً وحديثاً - الذين كفروا بالله ورسله ورفضوا وحيه كيف فارقت الرحمة الأعمَّ الأغلب منهم , فلا يكرم والد لسنِّه ولا مولود لصغره , ولا ضعيف لضعفه , ولا منكوب توالت عليه المحن بل الأذى والتعذيب يصيب كل من اتخذه له عدواً .
إذا خلا القلب من الإيمان واستسلم للشهوات قَسَا وفقد الرحمة وفقد مقومات الإنسان فارتكب الجرائم , وكل ما يؤدي إلى نكبات البشر من قتل الآباء ويُتْم الأبناء وترميل الزوجات واستعباد البشر وتشريدهم , وهذا الصنف هم مصدر البلاء على الإنسانية في كل حقب التاريخ , فويل لهم في الدنيا والآخرة , قال r: (( مَن لا يَرحم لا يُرحم ) ). [أخرجه الشيخان] , وفي مسند الإمام أحمد وصحيح الجامع عنه r قال: (( أشدُّ عذاباً للنَّاس في الدُّنيا هم أشدُّ النَّاسِ عذاباً يومَ القيامَة ) ).
هذا فرعون الذي تجبر وطغى وقال: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} (24) سورة النازعات , أخبر الله عنه أنه استذلَّ العباد وقتلهم وعذبهم بلا شفقةٍ ولا رحمة , يقول الله سبحانه: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} (4) سورة القصص , وحتى زوجته وماشطة ابنته وهما من أقرب الناس إليه لم يسلما من أذاه {وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} (10-14) سورة الفجر .
يقول أبو رافع: أوتَدَ فرعون لامرأته أربعة أوتاد ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت .
وها هم أصحاب الأخدود الذين عذبوا المؤمنين وحفروا لهم الأخدود وأضرموا فيه النيران ثم قعدوا يتلذَّذون بالنظر إلى المؤمنين وهم يُقذفون في الأخدود والنيران تحرق أجساد المؤمنين صغاراً وكباراً ألا لعنة الله على الظالمين {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُود * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُود * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُود * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُود * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (4-9) سورة البروج . حتى إنَّه ثبت في صحيح مسلم أن امرأةً من المؤمنين جاءت إلى هذه النار التي أوقدها أصحاب الأخدود ومع هذه المرأة صبيٌّ لها , فلما وقفت على النار تقاعست رحمةً بهذا الصبي الذي تحمله , فقال لها: ( يا أمَّاه اصبري فإنك على حق ) .
عبَاد الله:ومن القلوب القاسية الغليظة قلوب اليهود , فقد قال الله عنهم: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} (74) سورة البقرة . فهم الحسَّاد القَتَلة والبغاة المَرَدة قديماً وحديثاً , وبسبب ما كسبت أيديهم حكم الله عليهم باللعنة والحرمان من الرحمة , فقال جلَّ وعلا: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} (13) سورة المائدة . ولا تنسى ما فعلوه بالمسلمين عبر التاريخ من القتل والأذى , وعلى سبيل المثال قبل أكثر من خمسين سنة هجم اليهود على قرية (دير ياسين) وجمعوا سكانها صفَّاً واحداً رجالاً ونساءً , شيوخاً وأطفالاً ثم رموهم بنار الرشاشات وبالغوا في تعذيبهم أثناء عملية الذبح والإبادة , فبقروا بطون الحوامل , وأخرجوا الأطفال وذبحوهم , وشوَّهوا الجثث , ومثل ذلك ما فعلوه في (صبرا وشاتيلا والخليل وغيرها) , طهَّر الله بلاد المسلمين منهم وأخرجهم أذلَّةً صاغرين .
وممن قست قلوبهم وساءت أعمالهم الشيوعيون الذين تفننوا في التعذيب وقتلوا آلاف البشر في سبيل تحقيق أهدافهم , حتى أعدموا بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة أربعة وعشرين ألف مسلم في يوغسلافيا , وقتلوا في تركستان وحدها مائة ألف مسلم , قرى كاملة أهلكوا أهلها وتفننوا في تعذيبهم {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} (227) سورة الشعراء .
نعوذ بالله من قسوة القلب ومن العلو والاستكبار , ونسأل الله أن يكفينا والمسلمين شر الأشرار وكيد الفجار إنه سميع مجيب الدعاء , أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله , وأشهد ألا إله إلا الله وحده , وأشهد أنَّ محمَّداً عبده ورسوله , اللهم صلِّ على محمد , وعلى آل محمد , كما صليت على إبراهيم , وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد .
أمَّا بعدُ فيَا أيُّها المسلمُون: