فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
لنا في الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم المروي عنه عند مسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:"إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف"لنا فيه جميل الأسوة في تربية الأمة على الرفق، وفي تربية القرآن على التدرج بلسم لمن أراد الشفاء.
ج - رمضان وخصلة الاقتصاد
من تربية الأمة على الرفق والأناة والصبر وبتدرج، نقف عند خصلة الاقتصاد.
الاقتصاد من القصد الذي يعني استقامة الطريق، والمقصود بكلمة الاقتصاد النبوية، التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط.
رمضان يعلمنا الاقتصاد والانتهاء عن عادات التبذير والترف المخزي. مجاوزة الحد في الأكل والشرب من معوقات السير إلى الله.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الإمام مسلم رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه:"خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم... ثم يخلف قوم يحبون السمانة، يشهدون قبل أن يستشهدوا".
ينبغي أن يتحول الصيام انعتاقا من الأعراف المألوفة، وراحة من عادات التبذير والإسراف، دون إخلال بالمستساغ منها الذي يساعد على إقامة الدين والاستعانة على التعبد، ومما يحول دون القطيعة المطلقة عن المجتمع.
في بيئة خامدة، لا ينفع تغيير المظاهر، بل لابد من اجتثاث لوثة الانحراف بما يلائم من وسائل التربية والتوجيه والتدرج.
لابد أن ننضح في النفوس معاني الإيمان، وتستشف القلوب دلالات العبادات، فتحافظ تمام المحافظة على أحكامها الشرعية وأبعادها السلوكية الأخلاقية.
عن طلب الكمال، عن إرادة وجه الله العظيم وما عنده إلى مجرد حرص على التملك المادي. متى نرقى إلى مستوى تملك المال دون أن يتملكنا؟ متى ندرك أن الله عز وجل فتح لنا أبواب الرزق للابتلاء:"قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره"التوبة الآية24.
لن نرقى إلى هذا المقام، إلا إذا ارتقت فينا روح البذل في سبيل الله، روح التضحية، متحدين شح النفس، باذلين ولو كان بنا خصاصة.
فساد الفرد والمجتمع أمران مترابطان، كلاهما ينشأ، مما ينشأ، عن الحرص والجشع وطغيان الأنانية الفردية.
عند البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم أبو عبيدة بمال من البحرين قال لأصحابه:"فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم".
أن تعيش الأقلية الترف وترفل في النعيم، بينما الأغلبية في هوة سحيقة من الحاجة والبؤس والفاقة، ما بهذا أمر الله! فأين المواساة والإحساس بمعاناة الآخرين؟
في انتظار إقامة العدل، العدل في قسمة الأرزاق لتنقذ الشعوب من ذل الفقر وخزي المسألة فيصفو وعاؤها لتتنزل فيه التربية لترقى في مدارج الإحسان، حري بنا أن نرتفع من درك التهمم الفردي إلى علياء الأخوة الإيمانية التي تفرض الاهتمام بأمور المسلمين. روى الإمام أحمد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعا فقد برئت منهم ذمة الله".
فكيف وفي الأمة طبقات متخمة وأخرى جائعة بائسة؟
أما بعد،
فإن رمضان شهر للاستمداد الدائم والروحانية العالية والذكر والتبتل، والبذل ومواساة ذا الحاجة...
فلنغتنمها تزودا من خصال النبوة حتى تستمر وظيفة هذا الشهر السنة جميعها، ونكون من المتحققين بما كان عليه حال السلف الصالح الذي كان يستعد لرمضان ستة أشهر وينتفع به ستة أشهر فتتحصل له التقوى."ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب".
وكل القرب والوصال لكم في رمضان.