وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية حين صدهم المشركون عن البيت وقد اشتد ذلك عليهم فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: نصد هؤلاء كما صدنا أصحابنا فأنزل اللَّه: ولا يجرمنكم الآية» . [تفسير ابن كثير للآية]
والمعنى لا يحملكم شدة بغضكم للمشركين على ترك العدل فيهم فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل كمُثْلة وقذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد تشفيًا مما في قلوبكم.
اعدلوا هو أقرب للتقوى أي العدل أقرب للتقوى، صرح لهم بالأمر بالعدل وبين أنه بمكان من التقوى بعد ما نهاهم عن الجور وبين أنه مقتضى الهوى، وإذا كان هذا للعدل مع الكفار فما ظنك بالعدل مع المؤمنين؟ واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون فيجازيكم به.
[روح المعاني للألوسي 6/83]
وقال ابن كثير رحمه الله في تفسيرها: ولا يجرمنكم: لا يحملنكم شنآن قوم أي شدة بغضكم لهم على ألا تعدلوا فلا تشهدوا في حقوقهم بالعدل أو فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل، اعدلوا أيها المؤمنون في أوليائكم وأعدائكم، واقتصر بعضهم على الأعداء بناءً على ما روي أنه لما فتحت مكة كلف اللَّه تعالى المسلمين بهذه الآية أن لا يكافئوا كفار مكة بما سلف منهم وأن يعدلوا في القول والفعل. [تفسير ابن كثير ]
وقال بعض السلف: ما عاملت من عصى اللَّه فيك بمثل أن تطيع اللَّه فيه، والعدل به قامت السماوات والأرض.
ومن هذا قول عبد اللَّه بن رواحة لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم يخرص (يُقَدِّر) على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم، فقال: يا أعداء اللَّه؛ تطعموني السحت؟ والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إليَّ، ولأنتم أبغض إليَّ من أعدادكم من القردة والخنازير، وما يحملني حبي إياه وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض.
[صحيح ابن حبان. «مختصر ابن كثير 1/345]
ثالثًا: سلوك نبينا هداية لنا ولغيرنا
لقد أقام الله تعالى رسولنا صلى الله عليه وسلم إمامًا وقدوة لنا معاشر المسلمين، وفي اقتدائنا به امتثال لأمر الله جل وعلا، لأن في سلوكه هديًا لنا، وعدلاً وإنصافًا لغيرنا من أصحاب الملل الأخرى، ولن يجد هؤلاء فرصة للعدل والقسط في الناس أعظم ولا أفضل من نبينا صلى الله عليه وسلم.
عن جابر بن عبد اللَّه قال: قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم محارب بن خصفة بنخل فرأوا من المسلمين غرة فجاء رجل منهم يقال له غورث بن الحارث حتى قام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف، فقال: من يمنعك مني؟ قال: «اللَّه عز وجل» . فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «من يمنعك مني ؟» قال: كن كخير آخذ ؟ قال: «أتشهد أن لا إله إلا اللَّه ؟» قال: لا، ولكني أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، قال: فذهب إلى أصحابه قال: قد جئتكم من عند خير الناس.
[أخرجه أحمد وابن حبان وأصل الحديث في البخاري ومسلم]
وفي الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد بن حنبل أن ابن أبي حدرد الأسلمي كان ليهودي عليه أربعة دراهم فاستعدى عليه، فقال: يا محمد؛ إن لي على هذا أربعة دراهم وقد غلبني عليها؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن أبي حدرد: أعطه حقه، قال: والذي بعثك بالحق ما أقدر عليها، فقال: أعطه حقه، قال: والذي بعثك بالحق ما أقدر عليها، وقد أخبرته أنك تبعثنا إلى خيبر فأرجو أن تُغْنِمنا شيئًا (غنيمة) فأرجع فأقضيه، قال: أعطه حقه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال ثلاثًا لم يُراجَع. فخرج ابن أبي حدرد إلى السوق وعلى رأسه عصابة وهو متزر ببرد، فنزع العمامة عن رأسه فاتزر بها ونزع البردة فقال: اشترِ مني هذه البردة، فباعها بأربعة دراهم. فمرت عجوز فقالت: مالك يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأخبرها، فقالت: ها دونك هذا؛ ببرد طرحته عليه». [السلسلة الصحيحة]
فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قدوة للمسلمين في التعامل مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى بالعدل والقسط وقد قال له ربه وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين [المائدة: 24] . بل إنه كان يشتري منهم ويستلف، ويبيع لهم: قال ابن حجر في فتح الباري: ولقد رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعًا له بالمدينة عند يهودي وأخذ منه شعيرًا لأهله، وهذا اليهودي هو أبو الشحم، وبينه الشافعي ثم البيهقي من طريق جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعًا عند أبي الشحم اليهودي رجل من بني ظفر في شعير. انتهى. قال ذلك تعليقًا على حديث البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير».
[متفق عليه]
رابعًا: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقتدون به في بر أهل الكتاب