ومن هذه السلالة الأتابكية التركية خرج نور الدين محمود ومع أنه لم يكن من أصحاب الملك الأصليين، ولم يك من ذوي النسب المرموقين، فقد فاق غيره من أصحاب النسب والحسب، وحقق لأمة الإسلام وأبناء المسلمين ما تجاوز خيال الواصفين، واليك شيئا من سيرته التي يجتمع فيها العلم والإيمان، ويتوفر فيها الشجاعة والإقدام، وهي نموذج للعبادة والزهد والعدل بين بني الإنسان، وهو من ذوي العفة لليد واللسان، وليس من أرباب شهوات البطن والفرج بلا رادع أو ميزان، كتب في سيرته أهل التاريخ وأصحاب التراجم، لكن ابن الأثير قدم لسيرته بالقول: (وقد طالعت سير الملوك المتقدمين فلم أر فيهم بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن من سيرته ولا أكثر تحريا منه للعدل) ( [2] ) .
وهذا إن وجد فيه مبالغة من ابن الأثير يرحمه الله- فهو يدلك على قدر هذا الملك وعظيم منزلته وعلو مناقبه.
ثم تحدث عن زهده وعبادته وعلمه فقال: كان لا يأكل ولا يلبس ولا يتصرف في الذي يخصه إلا من ملك كان له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة ومن الأموال المرصدة لصالح المسلمين، ولقد شكت إليه زوجته من الضائقة فأعطاها ثلاثة دكاكين في حمص كانت له ومنها يحصل له في السنة نحو عشرين دينارا فلما استقلتها قال: ليس لي إلا هذا، وجميع ما بيدي أنا فيه خازن للمسلين لا أخونهم ولا أخوض نار جهنم لأجلك. وكان يصلي كثيرا بالليل وله فيه أوراد حسنة، وكان كما قيل:
جمع الشجاعة والخشوع لربه ما أحسن المحراب في المحراب ( [3] )
وذكر ابن كثير في ترجمته لنور الدين أن الزهد والعفاف بلغ به إلى حد استفتى معه العلماء في مقدار ما يحل له من بيت المال فكان يتناوله ولا يزيد عليه شيئا ولو مات جوعا ( [4] ) .
بل بلغ في عبادته وذله لربه وخشوعه بين يديه ما حكاه سبط ابن الجوزي قال:حكى لي نجم الدين بن سلام عن والده أن الفرنج (النصارى) لما نزلت على (دمياط) مازال نور الدين عشرين يوما لا يصوم ولا يفطر إلا على الماء، فضعف وكاد يتلف، وكان مهيبا ما يجسر أحد يخاطبه في ذلك، فقال إمامه يحيى: إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم يقول: يا يحيى بشر نور الدين برحيل الفرنج عن دمياط فقلت: يا رسول الله! ربما لا يصدقني، فقال: قل له: بعلامة يوم حارم. وانتبه يحيى، فلما صلى نور الدين الصبح وشرع يدعو، هابه يحيى، فقال له: يا تحدثني أو أحدثك؟ فارتعد يحيى وخرس فقال نور الدين: أنا أحدثك، رأيت النبي صلى الله عليه وسلى هذه الليلة وقال لك كذا وكذا، قال: نعم، فبالله يا مولانا ما معنى قوله: بعلامة يوم حارم؟ فقال نور الدين: لما التقينا بالعدو خفت على الإسلام، فانفردت ونزلت ومرغت وجهي على التراب، وقلت: يا سيدي: من محمود في البين، الدين دينك، والجند جندك، وهذا اليوم أفعل ما يليق بكرمك، قال: فنصرنا الله عليهم ( [5] ) .
إخوة الإسلام كان ليث الإسلام والبطل الهمام نور الدين محمود صادقا مع نفسه ومع ربه، لا يأكل الحرام ولا يشربه ولا يلبسه ولا غرابة أن تستجاب له الدعوة، بل ورد في سيرته أنه يأكل من كسب يده، وكانت له عجائز فكان يخيط الكوافي، ويعمل السكاكر فيبعنها له سرا ويفطر على ثمنها ( [6] ) .
وخلاصة القول فهو كما قال الذهبي: كان دينا نقيا لا يرى بذل الأموال إلا في نفع، وما للشعراء عنده نفاق، وقد اصطبغت رعيته بصبغته كما قال الشاعر:
سلطاننا زاهد والناس قد زهدوا له فكل على الخيرات منكمش
أيامه مثل شهر الصوم طاهرة من المعاصي وفيها الجوع والعطش ( [7] )
أيها المسلمون: وهل يمكن أن يكون هذا الزهد والعفاف والتقى والدين وتلك العبادة والإنابة لرجل خلو من العلم أو بعيد عن العلماء؟ كلا. وإليكم شيئا من حرصه على العلم وإكرامه للعلماء.
فقد نقل ابن الأثير عنه أنه كان عارفا بالفقه على مذهب أبي حنيفة، ليس عنده فيه تعصب، وسمع الحديث وأسمعه طلبا للأجر.. وكان يكرم العلماء وأهل الدين ويعظمهم ويعطيهم ويقوم إليهم، ويجلس معهم وينبسط ولا يرد لهم قولا، ويكاتبهم بخط يده ( [8] ) .
وذكر ابن كثير أنه كانت له هيبة، ولذلك كان أكابر رجاله يقفون بين يديه، ولا يجلسون إلا بإذنه سوى نجم الدين أيوب (والد صلاح الدين الأيوبي) ومع هذا كان إذا دخل أحد الفقهاء أو الفقراء قام له ومشى خطوات وأجلسه معه على سجادته في وقار وسكون، وإذا أعطى أحدا منهم شيئا مستكثرا يقول: هؤلاء جند الله وبدعائهم ننصر على الأعداء، ولهم في بيت المال حق أضعاف ما نعطيهم، فإذا رضوا منا ببعض حقوقهم فلهم المنة علينا.
بل نقل ابن كثير لنا أكثر من هذا في سبيل إكرام هذا الملك العادل والمجاهد الصادق للعلماء، ومنعه العامة أن تنالهم بسوء أو أذى حتى ولو وقع ذلك من كبار الأمراء، وإليك هذه الحادثة فاعقلها، واعلم ما فيها من الحكمة والأدب، فقد نال بعض الأمراء مرة عنده من الفقهاء وهو قطب الدين النيسابوري- فقال له نور الدين: ويحك إن كان ما تقول حقا فله من الحسنات الكثيرة الماحية كذلك ما ليس عندك، مما يكفر عنه سيئات ما ذكرت، إن كنت صادقا، على أني والله لا أصدقك، وإن عدت ذكرته أو أحدا غيره عندي بسوء لأوذينك، فكف عنه ولم يذكره بعد ذلك ( [9] ) .
إنه الدفاع الواعي عن أعراض العلماء، ينبغي على كل أحد، ولكن يطيب ويحسن إذا صدر من الولاة والأمراء للصادقين من العلماء.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين واهب النعم ومحل النقم، أحمده تعالى وأشكره، وأثني عليه الخير كله، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه وآله، وارض اللهم عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إخوة الإسلام ولا تكاد تنقضي عجائب هذا الملك العادل، أو تحصر مناقبه وسأكتفي بالوقوف عند منقبتين من مناقبه- غير ما سلف- هما:العدل والجهاد، إذ هو كما وصفه الإمام الذهبي:حامل رايتي العدل والجهاد، قل أن ترى العيون مثله، حاصر دمشق ثم تملكها وبقي بها عشرين سنة.. وكان بطلا شجاعا وافر المحبة حسن الرمي، مليح الشكل، ذا تعبد وخوف وورع، وكان يتعرض للشهادة سمعه كاتبه أبو اليسر يسأل الله أن يحشره من بطون السباع وحواصل الطير..قال ابن واصل- كما نقل الذهبي- كان من أقوى الناس قلبا وبدنا لم ير على ظهر فرس أحد أشد منه، كأنما خلق عليه لا يتحرك وكان يقول: طالما تعرضت للشهادة فلم وإليك أخي المسلم هذا الحوار المعبر عن شجاعته وبذله لنفسه في سبيل الله، فقد قال له يوما قطب الدين النيسابوري: بالله يا مولانا السلطان لا تخاطر بنفسك، فإنك لو قتلت قتل جميع من معك، وأخذت البلاد، وفسد حال المسلمين. فقال له: اسكت يا قطب الدين فإن قولك إساءة أدب على الله، ومن هو محمود ؟ من كان يحفظ الدين والبلاد قبلي غير الذي لا إله إلا هو؟ ومن هو محمود؟ قال: فبكى من كان حاضرا رحمه الله ( [10] ) .