فهرس الكتاب

الصفحة 8830 من 9994

أيها المسلمون: إن الزلازل من المصائب التي يكون سببها في الغالب ما تكسبه أيدي الناس من الذنوب والمعاصي من استحلال الزنى والخمور والمعازف ، والاحتيال على فعل المحرمات ، قال تعالى: (( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) ) (الشورى:30)

وقال علي رضي الله عنه: ( ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة ) .

إن معصيةَ الله ـ أيها المسلمون ـ والمجاهرةَ بذلك كفرٌ بالنعم ، والكفرُ بالنعم سبب للعذاب والعقاب ، قال تعالى: (( وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) ) (ابراهيم: الآية7) .

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ليكونن من أمتى أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم ـ يعني الفقير ـ لحاجة فيقولوا ارجع إلينا غدًا ، فيبيتهم الله ، ويضع العلم ، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة ) رواه البخاري رحمه الله . قوله: يضع العلم أي يوقعه عليهم .

قال ابن بطال رحمه الله: ( إن كان العلم جبلاً فيدكدكه ، وإن كان بناءً فيهدمه ) (فنح البارئ 10 / 56 ) .

وعن أنس رضي الله عنه أنه دخل على عائشة رضي الله عنها هو ورجل آخر ، فقال لها الرجل يا أم المؤمنين حدثينا عن الزلزلة ، فقالت: ( إذا استباحوا الخمر ، وشربوا الخمور ،وضربوا بالمعازف، غار الله عز وجل في سمائه فقال للأرض تزلزلي بهم ، فإن تابوا ونزعوا وإلا أهدمها عليهم ) . رواه ابن أبي الدنيا عليه رحمة الله .

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف ،

إذا ظهرت القينات والمعازف ، وشرب الخمور )) . رواه الترمذي رحمه الله .

والزلازل من الخسف وكثرتها دليل على قرب الساعة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا تقوم الساعة حتى يقبضَ العلم ، وتكثرَ الزلازل ،

ويتقاربَ الزمان ، وتظهرَ الفتن ، وبكثرَ الهرج وهو القتل القتل ))

رواه البخاري . قال ابن حجر رحمه الله: ( وقد وقع في كثير من البلاد الشمالية والشرقية والغربية كثير من الزلازل ، ولكن الذي يظهر أن المراد بكثرتها شمولُها ودوامُها )

أيها المسلمون: يا من تحل المصائب قريبًا من دارهم ، والذين تمر بهم الأحداث ، ويرون الآيات وهم عنها غافلون احذروا مغبة المعاصي وعواقب الذنوب ، فإن المصائب والأحداث ما هي إلا نذر لكي ينتبه الغافلون فيتوبوا إلى الله ، ويرجعوا إلى تصحيح أعمالهم ، ويقلعوا عن الفساد في الأرض وعن ظلم العباد ، قال تعالى: (( وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ) ) (القصص: من الآية59) .

واحذروا ـ أيها المسلمون ـ أن تكونوا ممن عناهم الله بقوله: (( أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ) ) (التوبة:126)

وممن قال الله فيهم: (( إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ) ) (يونس:96,97) . كما حصل للأمم السابقة بسبب ذنوبهم .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:( وكان عذاب كل أمة بحسب ذنوبهم

و جرائمهم، فعذب قوم عاد بالريح الشديدة العاتية التي لا يقوم لها شيء، وعذب قوم لوط بأنواع من العذاب لم يعذب بها أمة غيرهم، فجمع لهم بين الهلاك والرجم بالحجارة من السماء وطمس الأبصار وقلب ديارهم عليهم بأن جعل عاليها سافلها، والخسف بهم إلى أسفل سافلين، وعذب قوم شعيب بالنار التي أحرقتهم وأحرقت تلك الأموال التي اكتسبوها بالظلم والعدوان، وأما ثمود فأهلكهم بالصيحة فماتوا في الحال ... ومن اعتبر أحوال العالم قديماً وحديثاً وما يعاقب به من يسعى في الأرض بالفساد وسفك الدماء بغير حق ، وأقام الفتن واستهان بحرمات الله علم أن النجاة في الدنيا والآخرة للذين آمنوا وكانوا يتقون) [مجموع الفتاوى 16/249] .

وقال ابن القيم رحمه الله: ( وقد جعل الله سبحانه أعمال البر والفاجر مقتضيات لآثارها في هذا العالم اقتضاء لا بد منه، فجعل منع الإحسان والزكاة والصدقة سبباً لمنع الغيث من السماء والقحط والجذب، وجعل ظلم المساكين والبخس في المكاييل والموازين وتعدي القوي على الضعيف سبباً لجور الملوك والولاة الذين لا يرحمون إن استرحموا، ولا يعطفون إن استعطفوا، وهم في الحقيقة أعمال الرعايا ظهرت في صور ولاتهم، فإن الله سبحانه بحكمته وعدله يظهر للناس أعمالهم في قوالب وصور تناسبها، فتارة بقحط وجدب، وتارة بعدو، وتارة بولاة جائرين، وتارة بأمراض عامة، وتارة بهموم والآم وغموم تحضرها نفوسهم، لا ينفكون عنها، وتارة بمنع بركات السماء والأرض عنهم، وتارة بتسليط الشياطين عليهم تؤزهم إلى أسباب العذاب أزاً، لتحق عليهم الكلمة وليصير كل منهم إلى ما خلق له، والعاقل يسّير بصيرته بين الأقطار العالم فيشاهده، وينظر مواقع عدل الله وحكمته) [زاد المعاد 4/363] .

نسأل الله تعالى أن يعيذنا من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، وأن يكفينا والمسلين كل سوء ومكروه .

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمد لله (( غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) ) (غافر:3) ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ،

(( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) ) (الشورى: من الآية11) ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، البشير النذير والسراج المنير ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا .

أما بعد . فيا أيها المسلمون:

اتقوا الله تعالى ، واعلموا أنكم إليه تحشرون .

معشر المسلمين ـ تفكروا فيما يجري من الحوادث والكوارث ، وما فيها من العبر فإن العاقل من تذكر واعتبر ، ولا يكن حظنا منها مجرد السماع والاستطلاع ، دون الاعتبار والانتفاع ، فعلينا بترك ما يسخط الله تعالى ، والمبادرة بالتوبة النصوح . قال ابن القيم مذكرًا ومحذرًا من سوء العواقب حينما يعرض الناس عن دين الله ، ويكثر فيهم الظلم والفسق ، وتنتشر بينهم المنكرات ، قال:"لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة ، والمحاكمة إليهما ، عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم ، وظلمة في قلوبهم … إلى أن قال: ولقد اقشعرت الأرض ، وأظلمت السماء ، وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة ، وذهبت البركات ، وقلت الخيرات ، وهزلت الوحوش ، وتكدرت الحياة من فسق الظلمة ، وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة ، والأفعال الفظيعة ، وشكا الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم من كثرة الفواحش ، وغلبة المنكرات والقبائح ، وهذا والله منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه ، ومؤذن بليل بلاء قد ادلهم ظلامه ، فاعزلوا عن طريق هذا السبيل بتوبة نصوح ، مادامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت