ولننظر إلى ما قال قارون: (وما أوتيته إلا على علم عندي) هذا شأن المتغطرسين والطغاة والجهلة، أما أولو الأبصار فحالهم مختلف"فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ 2"
من تذكر قدرة الله ونعمته وحكمته طأطأ رأسه وحمد، ومن أنكر وتنكر شمخ وعلا، والله لا يحب العالين المغرورين المتجبرين. ثم هذا التوفيق من الله لا يحصل إلاّ بالتقوى لقوله سبحانه"وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُه"3
لأن الكلمات الصالحة التي تخرج من القلب تستقر في القلوب، أما تلك الكلمات الجافة فلا تتجاوز الآذان. رأيت شتلة بندورة في سجن مجدو بين الأسلاك لا يستطيع أن يصلها أحد منا عليها أكوام من الثمر، ونزرع البندورة بعد حرث متكرر ونسقي ثم نعالج بالأدوية ثم نفاجأ أن الأمر لا يمر يستحق الخدمة، فالبركة فيما يضع الله في البركة.
2-صلاة الحاجة قبلها
من المسنون أن يصلي المسلم ركعتين ثم يسأل الله حاجة لكل أمر ذي بال، وخطبة الجمعة من الأمور الهامة، هل يوفقه الله أم لا؟ هل يتذكر أم ينسى؟ هل يتقن أم لا؟ هل يحسن أم يسيء؟ هل يرزق الحكمة أم تفوته؟ هل يدخل الى القلوب أم لا يعلم الناس منها شيئاً.
هذه الأمور كلها محتاجة الى عون وتسديد. وهو قبل ذلك في أمس الحاجة للإخلاص، لأن قليلاً من الرياء ينسف العمل، وعليه فالصلاة والدعاء جزء هام من النجاح إن لم يكونا النجاح كله.
وأنصح بسيّد الاستغفار على عتبة المنبر"اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت."
أ- هناك سببان يتعلقان بالخطيب نفسه
مخبر الخطيب
مظهر الخطيب
1-مخبر الخطيب:
قال تعالى"فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ"4 ، ينبغي أن يكون معلوماً أن صلاح الخطيب ينعكس إيجاباً على كلامه والعكس صحيح، فما لم يكن ملتزماً بالفرائض والسنن، مجتنباً الكبائر والموبقات وحتى الصغائر المعروفة فإن كلماته ستصب غالباً في خانة الشتم والسباب وبعبارة أخرى سيكون فتنة للأخرين يحتجون على عدم صلاح الفكرة التي يدعوا إليها وربما يرفضها البعض لأجله هو.
فما معنى أن يدعو الخطيب للمحافظة على الجماعة وهو لا يفعل ذلك، أو يأمر بصلة الرحم وهو قاطع لرحمه، أو يدعو للتسامح وهو حاقد، ما معنى أن ينهى عن الربا والناس يعلمون أنه يرابي أو يأمر النساء بالستر والحجاب وأسرته على غير ذلك.
ولقد روي أن الإمام الحسن البصري ظل سنين لا يخطب عن الزكاة لأنه لا يملك ما يزكيه حتى إذا ملك زكّى وصعد المنبر وخطب عن الزكاة.
ومن الجدير ذكره أن رأس مال الخطيب حُسْنُ الخلق الذي يعطي عليه الله تعالى أكثر من غيره وخلاصته البشاشة وحسن القول وحسن المجاملة والصبر على الآخرين والاستغناء عما في أيديهم.
2-مظهر الخطيب
وإذا كان المصلون مأمورين يوم الجمعة بارتداء أجمل الثياب وأنظفها، كما أنهم مأمورون بالتطيب من أفضل الطيب فمن باب أولى الخطيب، لأن الناس ينظرون وينقدون، ويرونه قبل أن يسمعوا كلامه.فحبذا لوا ارتدى يوم الجمعة الملابس المميزة اللائقة، كالعباءة أو الجبة أو البدلة، وتزداد قيمة المظهر للمبتدئين لأنه يغطي جزءاً من القيمة العامة له ولخطبته، أما إذا كان الخطيب قد وصل إلى قلوب الناس، فلو لبس قميصاً وبنطالاً فلا بأس لأن خطبته تغطي على مظهره، مع تأكيدنا على النظافة وكيّ الملابس والتطيب واختيار الملابس المقبولة اجتماعياً.
3-عنوان الخطبة
رأيت من المناسب منذ سنين أن أجعل لكل خطبة عنواناً بل لكل كلمة تلقى في حفل جماهيري عنوانا، فإذا كان الكتاب من مئات الصفحات أو آلافها له عنوان من كلمة أو كلمات، وإذا كان الكتاب من عشرات المجلدات له عنوان قصير يعرف به، فلماذا لا يكون للخطبة التي لا تتجاوز بضع صفحات عنوان يحدد فكرتها.
ومن الضروري أن يكون العنوان منسجماً مع الموضوع لا بعيداً عنه وإلا كانت النتائج عكسية، كأن يتكلم في واد والعنوان في واد آخر.
واعذروني إذا قلت أن البعض لا يعرف عن أي شيء يتحدث ولا يفهم الناس ماذا كان يقصد، فكيف يُعنون هذه الخطبة؟، البعض يجعل الخطبة عشرات المواضيع فكيف يعنون وبماذا يعنون؟