فهرس الكتاب

الصفحة 7897 من 9994

ولا ينتهي فضل الزمان عند رمضان، وعشر ذي الحجة، ويوم عرفة، ويوم الجمعة، وأيام العيد والتشريق، ونحوها ففي شهر الله المحرم (شهركم هذا) يومٌ عظيمٌ من أيام الله، ألا وهو يوم عاشوراء، والشهر كله كان من الأشهر التي يخصها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنوع من العبادة، إذ كان يُفضل صيامه عن غيره بعد صيام رمضان.

إن شهر الله المحرم كان له شأن في تاريخ الأنبياء عليهم السلام.

وبين تعظيم هذا الشهر، وما نُدب فيه من العبادة، وارتباطه بتاريخ الأنبياء ـ وخاصة موسى عليه السلام ـ أقف خمس وقفاتٍ، مذكراً بها نفسي وإياكم.

الوقفة الأولى:

هو شهر الانتصار للمؤمنين والاستعلاء للإيمان، أخرج البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: (ما هذا؟) قالوا: هذا يومٌ صالحٌ، هذا يومٌ نجى الله بني إسرائيل من عدوهم (4) .

وفي صحيح مسلم: (هذا يومٌ عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وغرق فرعون وقومه) (5) .

وإذا كان هذا في شأن موسى وقومه، فقد أخرج الإمام أحمد الحديث السابق وزاد فيه: (وهو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح شكراً) (6) .

بل ورد القول بأن النصارى كانت تعظم هذا اليوم، وقيل احتمال صيام عيسى عليه السلام له على اعتبار أنه مما لم ينسخ من شريعة موسى عليه السلام، لأن كثيراً منها نسخ بشريعة عيسى كما قال تعالى: (( وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ) ) (7) .

ولو لم يثبت إلا تعظيم موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، لكفى التعظيم لهذا الشهر، ويكفي أن يتذكر المسلمون انتصار فئة من المؤمنين واستعلاءهم بالإيمان، وهلاك الطغاة ـ ورمزهم فرعون ـ وهزيمة جندهم المبطلين.

الوقفة الثانية:

ومع تعظيم الأنبياء لعاشوراء من شهر الله المحرم، فقد كان الجاهليون يعظمون هذا اليوم أيضاً، جاء في صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فُرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه) ( [8] ) .

فما السرُّ في صوم قريش الوثنية لعاشوراء ولم يكونوا أهل كتاب، وصلتهم ضعيفة بأهل الكتاب؟

قال القرطبي يرحمه الله: لعل قريشاً كانوا يستندون في صومه إلى شرع من مضى كإبراهيم، وصوم رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون بحكم الموافقة لهم كما في الحج، أو أذن الله له في صيامه على أنه فعل خير.. ويحتمل غير ذلك ( [9] ) .

وقال ابن حجر: وأما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السالف، ولهذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة فيه وغير ذلك، قال: ثم رأيت في المجلس الثالث من مجالس الباغندي الكبير عن عكرمة أنه سئل عن ذلك فقال: أذنبت قريش ذنباً في الجاهلية فعظم في صدورهم، فقيل لهم: صوموا عاشوراء، يكفر ذلك ـ هذا أو معناه ـ أ.هـ ( [10] ) .

ترى يا أخا الإسلام..

إذا عظمت اليهود، وقريش، هذا اليوم، وهم كفرة ووثنيون.. أفلست أولى بتعظيم هذا اليوم منهم، وأنت المسلم تربطك بالمؤمنين الناجين رابطة العقيدة والإيمان، وإن حجزت فواصل الزمان والمكان؟ فأمتكم أمة واحدة بنص القرآن.

الوقفة الثالثة:

ومن شكر الله وتعظيم هذا الشهر صيامه، أو صيام عاشوراء منه.

فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل) ( [11] ) .

فإن قيل: فما الجمع بين ما ورد في فضل صيام شهر الله المحرم، وما ورد في فضل صيام شعبان، وإكثاره صلى الله عليه وسلم من الصوم فيه، حيث ورد في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: وما رأيته صلى الله عليه وسلم أكثر صياماً منه في شعبان، وفي رواية أخرى له: (وكان يصوم شعبان كله) ( [12] ) .

فقد أجاب على ذلك النووي بقوله: يحتمل أن يكون ما علم بفضل صوم محرم إلا في آخر عمره فلم يتمكن من كثرة الصوم في المحرم، أو أنه اتفق له فيه من الأعذار بالسفر والمرض مثلاً ما منعه من كثرة الصوم في محرم ( [13] ) .

وبكل حال فإن شق عليك كثرة الصوم في شهر الله المحرم فحنانيك أن تُغلب على صيام عاشوراء منه، فقد ورد في فضله (وصيام عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) كذا قال المصطفى صلى الله عليه وسلم.

وفي لفظ: (.. وصوم عاشوراء يكفر سنة ماضية) ( [14] ) .

ومن السنة صيام التاسع مع العاشر مخالفة لليهود، كما في صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع) .

وكمال ذلك أن تصوم التاسع والعاشر والحادي عشر، فقد ذكر العلماء ثلاث مراتب لصيام عاشوراء:

أدناها أن يُصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر ( [15] ) .

ولا يفوتنك حال الصيام استشعار فضل الصيام عموماً، وتكفير يوم عاشوراء لسنة ماضية خصوصاً، كما لا يفوتنك حال الصيام أن تتذكر عظمة هذا اليوم وما حصل فيه من نصر الإسلام وعزة للمؤمنين في الماضي، واسأل ربك وأنت صائم أن ينصر الإسلام ويعز المسلمين في الحاضر.

الوقفة الرابعة:

وهي فائدة جليلة حريةٌ بالوقفة والتأمل فهي وإن كانت بمناسبة الصيام فهي صالحة للعبادات بشكل عام.

وهي: التوفيق بين التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم في فضائل الأعمال وبين المداومة على الطاعة وإن قلت، فقد ورد على إثر قول عائشة رضي الله عنها (وكان يصوم شعبان كله) قولها (وكان صلى الله عليه وسلم يقول: خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وأحب الصلاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما دُووم عليه وإن قلت، وكان إذا صلى صلاة داوم عليها) هكذا جاءت هذه التوجيهات كلها في حديث واحد كما في صحيح البخاري ( [16] ) .

حتى قال ابن حجر رحمه الله: ومناسبة ذلك الحديث الإشارة إلى أن صيامه صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن يتأسى به فيه إلا من أطاق ما كان يطيق، وأن من أجهد نفسه في شيء من العبادة خشي عليه أن يمل فيفضي إلى تركه، والمداومة على العبادة وإن قلت أولى من جهد النفس في كثرتها إذا انقطعت، فالقليل الدائم أفضل من الكثير المنقطع غالباً) ( [17] ) .

الخطبة الثانية:

الحمد لله ناصر دينه، ومعلي كلمته، ومعزِّ أوليائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حكم بنصرة رسله والمؤمنين لا معقب لحكمه، ولكن نصره مستلزم لنصرة دينه والإيمان به (( إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) ) ( [18] ) ، (( وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) ) ( [19] ) .

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ابتلاه ربُّه وأصحابه، ثم أنزل عليهم النصر حين اكتملت أسبابه، ومكن لهم في الأرض بعد أن صدقوا وصبروا في جهاده، ولو شار ربك لنصرهم ومكنهم من قبل، ولكن سنة الله ماضية في الأولين والآخرين.

(( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) ) ( [20] ) .

اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.

عباد الله..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت