فهرس الكتاب

الصفحة 8281 من 9994

وشريعة كل نبي تبع لهذه العقيدة ومنبثقة منها، ولا تصح العقيدة لأي قوم إلا باتباع الشريعة التي جاء بها نبيهم. ومن ثم قال كل نبي لقومه (( وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ) ) (الشعراء 109- 110) .

فالتلازم بين الشريعة والعقيدة جاء به جميع الرسل- عليهم الصلاة والسلام-.

ثانياً: أخوّة الأنبياء فيما بينهم، ونحن نؤمن بهم جميعاً دون أن نفرق بينهم (( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) ) (البقرة:285.) فمن فرق بين الرسل فقد كفر،

قال تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً ، وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ) ) (النساء 150 -152)

ولقد علمنا رسول الله e كيف تكون مدرسة الأنبياء واحدة:

ا- روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يجيء نوح وأمته ، فيقول الله تعالى: هل بلّغت ؟ فيقول: نعم إي ربّ . فيقول لأمته: هل بلغكم: فيقولون: لا، ما جاءنا من نبي. فيقول لنوح: من يشهد لك ؟ فيقول !. محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، فنشهد أنه بلغ، وهو قوله جل ذكر: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) ) (البقرة: 143) [ البخاري- كتاب الأنبياء، حديث رقم (3339) ، وفي غير موضع. وأحمد (3/ 32، 58) ] .

تأملوا: آخر نبي وأمته، يشهدون لأول الرسل نوحاً أنه بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة. 2- وقد كان صلى الله عليه وسلم يدافع عنهم ويبرئهم مما رموا به. فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت- أي الكعبة- فوجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم فقال عليه الصلاة والسلام::"أما هم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، هذا إبراهيم مصوّر فماله يستقسم؟" [ رواه البخاري (3351ـ3352) ] .

3-ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أكرم الناس؟ قال: (( أتقاهم ) ). فقالوا: ليس عن هذا نسألك ، قال:"فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله". قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال:"فعن معادن العرب تسألون؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" [البخاري (3353) وانظر رقم ( 3382) ] .

4-بل إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ [البخاري رقم (3359) ] ، لأنه كان ينفخ على إبراهيم- عليه السلام- حين ألقي في النار.

وقد روى أحمد وابن ماجه: أن إبراهيم لما ألقي في النار، لم يكن في الأرض دابة إلا أطفأت عنه، إلا الوزغ، فإنها كانت تنفخ عليه ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها" [ أردوه ابن حجر في الفتح (6/395) ط . السلفية وسكت عنه ] "

قفوا وتأمّلوا هذا الحكم الشرعي- مشروعية قتل الوزغ- وما هي العلة ؟ لأنه كان ينفخ على إبراهيم- عليه السلام- أي آصرة هذه التي تجمع بين أنبياء الله؟ وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال ليهود:"نحن أحق بموسى منكم".

5-ويربط رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله! أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: (( المسجد الحرام"، قال: قلت: ثم أي؟ قال:"المسجد الأقصى"، قلت: كم كان بينهما؟ قال:"أربعون سنة"."ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصلّه فإن الفضل فيه ) ) [ رواه البخاري (3366) ] .

وعلى هذا، فبناء سليمان- عليه السلام- لبيت المقدس، إنما هو تجديد لمسجد نبي قبله، كبناء إبراهيم- عليه السلام- للكعبة . [انظر تحقيق ذلك والخلاف فيه: في الفتح (6/408) ] .

6-ويمتدح e موقفاً عظيماً من مواقف يوسف- عليه الصلاة والسلام- وهو في السجن، حيث إنه سجن ظلماً بمكيدة امرأة العزيز التي راودته عن نفسه، وصرحت للنسوة اللاتي تحدثن عنها فاحتالت عليهن حتى رأينه فقطعن أيديهن وقالت لهن- كما ذكر الله تعالى عنها-: (( قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ ، قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) ) (يوسف: 33- 32) .

.فسجنوه، ومكث في السجن بضع سنين، وجرى له في السجن مع بقية المسجونين ما جرى، ثم رأى الملك رؤياه، وطلب تعبيرها، فتذكر أحد أصحاب يوسف- عليه السلام- الذين خرجوا من السجن يوسف وتعبيره للرؤى، فطلب مقابلته في السجن، فقابله، وعبر له رؤيا الملك، وكان تعبيره لها ذا أثر عظيم في اقتصاد مصر لسنوات طويلة.

فأعجب الملك هذا التعبير للرؤيا، وأمر بالإفراج عنه، بل وأن يأتوا به إليه ليقابله فوراً. قال تعالى: (( وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِه ) ) (يوسف: من الآية50) .

لكن هيهات أن يقبل يوسف الخروج من السجن إلا بعد أن تكشف الحقيقة حول سبب سجنه ، لأن المعلن للناس أمر عظيم يتعلق بالعرض حيث اتهم بمراودة امرأة العزيز.

ولهذا أبى يوسف- عليه السلام- أن يخرج- مع أنه ذاق أهوال السجن بضع سنين-. قال تعالى عن يوسف- عليه السلام-: (( وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ) ) (يوسف:50)

.وإنما قال: (( مَا بَالُ النِّسْوَةِ ) )لأنهن شواهد على تصريح امرأة العزيز وكشفها للحقيقة أمامهن حيث ذكرت أنها راودته وأنه استعصم وأنه إن لم ينفذ هذه الجريمة فسيكون مصيره السجن.

واستدعى الملك النسوة، وكشفن الحقيقة كما قص الله ذلك واعترفت امرأة العزيز بفعلتها.

فلما كشفت الحقيقة وظهرت براءة يوسف- عليه السلام- خرج من السجن معززاً مكرماً. قال تعالى: (( وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ) ) (يوسف:54) إلى آخر الآيات ، حيث مكن الله ليوسف- عليه السلام- كما هو معلوم من بقية قصته.

فكيف امتدح نبينا محمد e موقف يوسف- عليه السلام-؟ لقد امتدحه بأسلوب يدلّ على مبلغ التواضع الذي بلغه نبينا محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام.

لقد قال e - كما روى عنه البخاري-:"يرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو ثبت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي" [ رواه البخاري (3372) و (3387) ] .

قال ابن حجر- رحمه الله-: ( أي لأسرعت الإجابة في الخروج من السجن ولما قدمت طلبت البراءة، فوصفه بشدة الصبر حيث لم يبادر بالخروج ، وإنما قاله e تواضعاً) [ الفتح (6/413) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت