فهرس الكتاب

الصفحة 6237 من 9994

ومن المضارة في المعاملات المضارة بالمدين المعسر الذي أمر الله بإنظاره إلى ميسرة أو إعفائه من الدين، قال تعالى: وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون [سورة البقرة:280] . فلا تجوز مطالبته ولا حبسه ما دام معسرا. كما لا يجوز أن يضار المدين الواجد بالدائن فيما طلبه من قضاء حقه.

ومن المضارة المنهي عنها في المعاملات بيع المضطر، وذلك بأن يضطر الفقير إلى شراء سلعة، فلا يجد من يبيع عليه إلا بغبن فاحش، أو يضطر إلى بيع سلعة فلا يجد من يشتريها منه إلا برخص كثير. وقد روى أبو داود بسنده عن النبي أنه أخبر الناس، فقال: (( إنه سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يديه، ولم يؤمر بذلك ) ). قال تعالى: لا تنسوا الفضل بينكم [سورة البقرة:237] .

ويبايع المضطرون وقد نهى رسول الله عن بيع المضطر.

وفي رواية: قال رسول الله: (( إن كان عندك خير تعود به على أخيك،وإلا فلا تزيدنه هلاكا إلى هلاكه ) ).

وقد سئل أحمد عن بيع المضطر ما معناه؟ قال: يجيئك وهو محتاج، فتبيعه ما يساوي عشرة بعشرين.

عباد الله: إنه لا مانع من البيع المؤجل بثمن أكثر من الثمن الحاضر للمحتاج وغير المحتاج، ولكن لا ينبغي أن يكون الزيادة كثيرة مجحفة، لا سيما إذا كان المشتري مضطرا إلى الشراء، فلا ينبغي أن تستغل ضرورته، ويحمل الزيادات الباهظة، لأن هذا إضرار يتنافى مع الرحمة والفضل بين المسلمين.

ومن أنواع الضرر الممنوع في الإسلام الضرر في مجال العبادات، قال تعالى: والذين اتخذوا مسجدا ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون لا تقم فهيا أبداً [سورة التوبة:107-108] .

فاعتبر الضرر الحاصل في اتخاذ هذا المسجد في مطلع المقاصد السيئة، ومنع رسوله من الصلاة فيه وأمر بهدمه.

النوع الثاني: أن يضار الناس بما فيه له منفعة خاصة مثل أن يتصرف في ملكه بما يترتب عليه الإضرار بجيرانه، مثل أن يغرس في ملكه شجرا تتمدد أغصانه وفروعه على أملاك جيرانه، أو يحفر بئرا تجذب الماء عنهم، أو ينشيء مصنعا في ملكه يتضرر منه جيرانه بالدخان أو الغبار أو الأصوات أو الروائح، أو يفتح في جداره نوافذ تطل على جيرانه أو يعلي البناء عليهم فيمنع عنهم الهواء، والشمس إلى غير ذلك فإن هذا الضرر ممنوع تجب عليه إزالته.

وكذلك من أعظم المضار بالجيران أن يؤجر بيته لأناس لا يصلون ولا يخافون الله، فإن هؤلاء يضرون المسلمين ويضايقونهم وقد يؤثرون على أولادهم ومن خالطهم، فاتقوا الله يا من تؤجرون الكفرة والفساق وتسكنونهم بجوار المسلمين، فإن الأجرة التي تحصل منهم لكم حرام والمسلمون يدعون عليكم فتلحقكم الآثام، وكذلكم يحرم تأجير الدكاكين والمحلات لبيع المواد المحرمة كتسجيلات الأغاني وأشرطة الفيديو أو جعلها محلات للتصوير أو بيع التبغ ويجب على الحاكم إزالة الضرر إذا اشتكى منه الجيران وامتنع من إزالته.

ومتى الإضرار الممنوع في حق الجار: منعه من الانتفاع بملك جاره على وجه لا يضر به، كأن يحتاج إلى وضع خشبة على جدار جاره، والجدار يتحمل فإنه يجب على صاحب الجدار أن يمكنه من ذلك، لما في (الصحيحين) عن أبي هريرة عن النبي قال: (( لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبه على جداره ) )، وقضى عمر ابن الخطاب على محمد بن مسلمة أن يجري ماء جاره في أرضه لما احتاج إلى ذلك، وقال: لتمرن بك لو على بطنك.

ومن الإضرار الممنوع أن يمنع الناس من الانتفاع بالمباحثات المشتركة، كالمنع من فضول المياه الجارية في الأنهار والأودية والمجتمعة في الخوابي وغيرها، أو يمنعوا من الرعي في الفلوات، أو الاحتشاش أو الاحتطاب من الأراضي الموات، أو الانتفاع بالمعادن المباحة كمعان الملح وغيره، في (الصحيحين) عن أبي هريرة أن النبي قال: (( لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ ) )، وفي (سنن أبي داود) : أن رجلا قال للنبي: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه، قال: (( الماء ) )، قال: يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال (( الملح ) )، قال يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه، قال: (( أن تفعل الخير خير لك ) )، وقال: (( الناس شركاء في ثلاث: الماء والنار والكلأ ) ).

ومن الإضرار الممنوع: مضارة الناس في طرقاتهم بوضع الأذى فيها، أو وضع ما يمنع المرور أو يسبب الحوادث، أو مخالفة أنظمة السير بما يعرض الناس للخطر، كل هذا ضرر محرم.

فاتقوا الله عباد الله، وعليكم ببذل النفع لإخوانكم وجيرانكم ومنع الضرر والضرار: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب [سورة المائدة:2] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

الخطبة الثانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت