أحد هؤلاء الخبثاء بالأمس يكتب يقول: عدت مريضا في أحد مستشفياتنا الحكومية فوجدت ملصقا مثبّتا على أحد جدران الغرفة فقرأته فإذا به حديث شريف مؤداه أنه إذا ما دعا مسلم لمسلم مريض سبع مرات فإن هذا المريض سوف يتعافى، ويقصد هذا المنافق الخبيثُ قوله صلى الله عليه وسلم:"من عاد مريضا لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرار أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عافاه الله من ذلك المرض"، ثم يعلق ساخرا بقوله: فاذا كانت وزارة الصحة تعتمد نص هذا الحديث، فلماذا إذن تفتح المستشفيات والعيادات وتستنزف الميزانية العامة موظفةً الأطباء والكوادر الطبية وجالبة الأدوية من شرق وغرب... لماذا إذن لا يكتفى بهذا الحديث الذي عمم على غرف المستشفيات؟؟؟!!!.
انظروا إلى السخرية من قِبل هذا المنافق الحقير، يسخر بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
فأمثال هؤلاء هم الأولى بالجهاد أولاً، والذين يجاهدونهم ويشاركون في جهادهم هم أعظم الناس عند الله قدراً وإن كانوا هم الأقلين عدداً، وهم خاصةُ أهل العلم لأنهم يردون على هؤلاء وأمثالهِم ممن يُلبِّسون الدين، وبعضُهم من كبار الفساق والمجنة، بل وبعضهم لعله يصلي مع الناس ويصوم مع الناس وهو منافق لا يرفع بالدين رأساً وقد جعل الله سبحانه وتعالى للمنافقين صفات يتأملها كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
فلم يُسمِّ اللهُ تعالى لنا المنافقين لحكمة، ولكن أعطانا صفاتِهم، حتى ننظر ونطبق هذه الصفات، فمن انطبقت عليه صفاتُهم فهو منهم، ولا كرامة ولا نُعمى عين، لا يخالط ولا يجالس ولا يمدح ولا يُصلى عليه إن مات، ولا يُصلى عليه مجاملة لأنه منافق.
فالذي يريد الجهاد يوالي أولياء الله سبحانه، والذي يريد الجهاد يُعادي أعداء الله، هذا أعظم الجهاد أيها الفضلاء، ومن ثَمَّ يأتي جهاد السيف والسنان.
فإن النبي لمصلى الله عليه وسلم لم يبتدأ حرب الكفار بادئ بدء، إنما أصلح من حوله من الناس وعلمهم التوحيد وإقامةَ الدين، وإقامة الصلوات والمحافظة عليها، ومكارم الأخلاق ثم بعد ذلك بدأ بهم الفتوح صلوات ربي وسلامه عليه.
فكيف تريدون أن تنطلقوا بالناس إلى أعلى البناء ولم تتقنوا أصله وأساسه؟؟
.. {أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خيرٌ أم من أسس بنيانه على شفا جرف هارٍ فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين} .
وليس هذا أننا نهون من شأن الجهاد بالسيف والسنان، بل إنّ قتال الكفار على أرض المعارك فضل عظيم يختص الله به مَن شاء مِن عباده.
والنبي صلوات ربي وسلامه عليه يقول:"من مات ولم يغزُ ولم يحدث نفسه بغزو، مات على شعبة من النفاق"، فلا بد أن يستشعر الإنسان هذه الغاية، وأن يسأل الله سبحانه الشهادة بصدق، و"من سأل الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه"كما قال صلوات ربي وسلامه عليه.
فالجهاد ذروة سنام الإسلام وقبتُه، ومنازلُ أهلِه أعلى المنازل، واللذةُ به أمرٌ لا يناله الوصف، ولا يدركه من ليس له نصيب منه، وكل من كان به أقوم كان نصيبُه من الالتذاذِ به أعظم، ومن عسَر فَهمه عن إدراك هذا، فليتأمل إقدامَ القوم على قتل آبائهم وأبنائهم وأحبابهم ومفارقةَ أوطانهم وبذلَ نحورهم لأعدائهم، ومحبتَهم للقتل وإيثارَهم له على البقاء، وإيثارَهم لومَ اللائمين وذمَّ المخالفين على مدحهم وتعظيمهم.
ومن كان مرادُه وحبُّه الله، وحياتُه في معرفته، ومحبتُه في التوجه إليه وذكرِه وطمأنينتُه به وسكونُه إليه وحده عرف هذا وأقر به.
والمجاهدون في سبيل الله هم جند الله الذين يقيم بهم دينَه، ويدفع بهم بأسَ أعدائه ويحفظُ بهم بيضةَ الإسلام، ويحمي لهم حوزةَ الدين، وهم الذين يقاتلون أعداء الله ليكون الدينُ كلُّه لله، وتكونَ كلمةُ الله هي العليا، وقد بذلوا أنفسهم في محبة الله ونصرِ دينِه وإعلاءِ كلمتِه ودفعِ أعدائِه.
والجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة ينجي الله به من الهم والغم، وقد تظاهرت آياتُ الكتاب وتواترت نصوصُ السنة على الترغيب في الجهاد والحث عليه ومدحِ أهله والإخبارِ عما لهم عند ربهم من أنواع الكرامات، ويكفي في ذلك قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} فتشوقت النفوس إلى هذه التجارة الرابحة التي دلهم عليها رب العالمين، فقال: {تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم} فكأن النفوس ضنت بحياتها وبقائها، فقال: {ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} يعني أن الجهادَ خيرٌ لكم من قعودكم للحياة والسلامة.
وقال صلى الله عليه وسلم مرغباً:"لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد مسلم".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن في الجنة مائةَ درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يُكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة والجرح يثعب دما اللون لون دم والريح ريح مسك".
فيا لله ما أحلى هذه الألفاظ وما ألصقها بالقلوب وما أعظمها جذبا لها وتسييرا إلى ربها وما ألطف موقعها من قلب كل محب وما أعظم غنى القلب وأطيب عيشه حين تباشره معانيها.
ومن استشهد في الجهاد فله أجر عظيم عند الله، وفضلٌ وفير، ومنزلةٌ رفيعة لا تدانيها منزلة.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"للشهيد عند الله ستُّ خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويَرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه".
وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال:"كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة".
ولما كان لأهلِ الجهادِ الرفعةُ في الدنيا والآخرة كان رسول الله في الذروة العليا منه واستولى على أنواعه كلِّها فجاهد في الله حق جهاده بالقلب والجَنان والدعوةِ والبيان والسيفِ والسنان، وكانت ساعاته موقوفة على الجهاد بقلبه ولسانه ويده ولهذا كان أرفع العالمين ذكرا وأعظمهم عند الله قدراً.
وطالما اشتاقت نفسه إليه، فكان يقول صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سريةٍ تخرج في سبيل الله أبداً، ولكن لا أجد سَعة فأحملَهم، ولا يجدون سَعة فيتبعوني، ولا تطيب أنفسهم فيتخلفون بعدي، والذي نفسُ محمد بيده لودِدت أن أغزوَ في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل".
ولما علم الصحابة رضي الله عنهم هذه الحقيقة، صدق ظنهم بربهم، وقوي يقينهم به، وازدادت قلوبهم ثباتا وإقداماً، فإذا بهم يستلذون الموت ويركضون إليه مسرعين طمعا في الحياة الأبدية..