وبينما يرى ابناً باراً به، يقوم بخدمته، ويتكيء عليه عند الملمات والضعف..
فجأة!.. فإذا بالموت يخترمه، وإذا به قد تصدع قلبه، وعاد فراغاً بعد أن كان مغتبطاً به فَرِحاً، وقد عظم عليه المصاب، وكاد أن يفقد صوابه، لكنه أيقن بموعود الله وصدّق بوعده، فإذا به صابراً محتسباً، لما علم من أجر الصبر على فقد الأحبة، قال صلى الله عليه وسلم:"إذا مات ولد العبد، قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد".
"وكان رجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابن له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"أتحبه"فقال: يا رسول الله: أحبك الله كما أحبُّه، ففقده النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"ما فعل ابن فلان؟"قالوا: يا رسول الله: مات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أما تحب ألا تأتي باباً من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك؟"فقال رجل: يا رسول الله: له خاصة أم لكلنا؟ قال:"بل لكلِّكم"".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما من مسلم يموت له ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم".
ومن الناس من يفقد أخاً كان له عوناً على ملمات الحوادث، وصولاً لرحمه، باذلاً نفسه في سبيل تحقيق راحته، قد رضعا من ثدي واحد وعاشا إلفين متآلفين، كلٌ منهما يعد أخاه ليوم حاجته، يستأنس به في الوحشة، ويخلفه في الغربة، وإذ بالموت يخطفه، وإذ به خاوي اليدين منه، وقد صار وحيداً بعد اجتماع، ضعيفاً بعد قوة ومنعه، مستهدفاً بعد تخوف.
وكم يزداد استيحاشه إذا كان ذا طاعة لربه، وسلوك حسن واستقامة على دين.
لما استشهد زيد بن الخطاب رضي الله عنه شقيق عمر بن الخطاب الأكبر ـ وهو من عبّاد الصحابة الأتقياء البررة ـ لما استشهد يوم اليمامة حزن عليه عمر كثيراً، وكان كثيراً ما يتذكره ويقول: ما هبت ريح الصبا إلا وأنا أجد ريح زيد.
ومن الناس من يفقد صديقاً، كان مؤنساً له في الوحشة، ومعيناً على الطاعة.
يقويه إذا ضعف، ويرشده إلى سبل الخير، ويسهّل له طرقه، قد اجتمعا على الطاعة وحسن القصد.
وفجأة!! إذ بالأجل يباغت صاحبه، في زمن قلّ فيه الأصدقاء الناصحون، والأحبةُ المخلصون المعينون على طاعة الله، وإذا به قد فقد من في فقده أبلغ التأثير.
فكم هو شديد على النفس أن تفقد ذا تقى، يهتدي به الضلال، ويستأنس به المستوحشون، ويسترشد به الحيارى..
إلى الله أشكو لا إلى الناس إنني أرى الأرض تُطوى والأخلاء تذهب
وهكذا تتنوع الابتلاءات في هذا الباب، وكلٌّ يفقد شخصاً يحبه ويوده ويألفه، ولكنَّ المصيبة العظمى!! أن كثيراً منا مفرطٌ في حقوق أحبته في حياتهم، فإذا رحلوا عن الدنيا بكى وتألم، وتمنى أن لو كان كذا وكذا.
فما دمنا في زمن الإمهال، فلماذا لا نحسن لأحبتنا ونعمل معهم في هذه الحياة، الذي طالما تمنينا فعله حين يُغَيَّبون عن أعيننا تحت الثرى؟!.
أيها الفضلاء.. إن من نعم الله على المؤمن، أن علم أنه في دار اختبار، فيورثه ذلك يقينا لا ينقطع.
ومن ابتُلي بفقد الأحبة فليعلم أن أعظم ما يعالج الإنسان فيه نفسه ويسلي قلبه، اليقين بأن ما قدره الله كائن لا محالة، وأنه لا يرد شيء من قضاء الله وقدره، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، {وما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير} .
فإذا علم هذا الأصل العظيم، أورثه ذلك الصبر على الأقدار المؤلمة، ووجد بالصبر علاجه وراحته، قال تعالى: {وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} .
فلعظم منزلة الصبر جعل الله تعالى لعبده هذا الأجر العظيم، من ثناء الله على العبد ورحمته له، وجعْلِه مهتدياً.
وقال تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} .
وقد أرشدنا نبينا صلى الله عليه وسلم لهذا الخلق الحسن الذي لا يأتي إلا بخير، وقد حث عليه بقوله وفعله وسيرته، مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال:"اتقي الله واصبري"، فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم: فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال:"إنما الصبر عند الصدمة الأولى"، وقال صلى الله عليه وسلم:"ما أُعطي أحدٌ عطاءً خيراً وأوسع من الصبر".
ومَن أصابته مصيبة أو فقد حبيباً، فليتذكر مصيبته بالنبي صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم:"من أصابته مصيبة فليتذكر مصيبته بي فإنها من أعظم المصائب".
فموته صلى الله عليه وسلم أعظم مصيبة وقعت على الأمة، لأن بموته انقطع الوحي وظهر الشر وانتشرت الفتن، وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه، ورفعت الأمنة التي كانت بوجوده ودب التفرق والتشتت وكثر التخبط، قال أنس رضي الله عنه:"لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، ولما مات صلى الله عليه وسلم أظلم منها كل شيء، وما نفضنا أيدينا من قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ـ وإنّا لفي دفنه ـ حتى أنكرنا قلوبنا".
اصبر لكل مصيبة وتجلّد واعلم بأن المرء غيرُ مخلد
وإذا ذكرت محمداً ومصابه فاجعل مصابك بالنبي محمد
وإذا احتسب العبد الأجر، ورزق الصبر، فقد هانت عليه مصيبته، وإذا تذكر معافاة الله له في جوانب كثيرة من حياته حمد الله أن لم تكن بلواه أعظم.
"جاء عن عروة بن الزبير ـ وكان عابداً تقياً ـ أنه قد وقعت في رجله الآكلة ـ وهو في سفر ـ فدُعي له الطبيب فقطع رجله من نصف الساق، فما سمع له حِسٌّ من صبره، ثم جاءه الخبر بوفاة ابنه محمد، وطأته بغلة في إسطبل فلم يسمع منه في ذلك كلمة، فلما رجع قافلاً قال:"لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً، اللهم كان لي بنون سبعة فأخذت واحداً وأبقيت لي ستة، وكان لي أطراف أربعة، فأخذت واحداً وأبقيت ثلاثة، ولئن ابتليت لقد عافيت، ولئن أخذت لقد أبقيت"".
ومن فقد حبيباً فليتذكر قوله صلى الله عليه وسلم:"قال الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه ـ حبيبه ـ من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة".
ومن علم أن الأرواح إنما هي أمانة في يد العبد، وأنها لا بد أن ترد إلى خالقها، وعلم أنه ليس بمخلد هانت عليه مصيبته، {كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} .
وقد يبكي العبد من أجل فقد حبيب ارتحل عن هذه الدنيا، ولكن أما سأل نفسه كيف كان حاله معه في حياته؟
أكان يبر أماً وأباً؟ ويصل أختاً وأخاً؟ ويرحم زوجاً؟ ويشفق على ابنٍ؟ ويود صديقاً؟
أم أن العبد لا يتذكر هذه الصلات إلا في حال الموت والمفارقة..؟!
هل قمنا بواجب النصح لأحبتنا في حياتهم حتى إذا ماتوا وبكيناهم نبكي على فراقهم، ولا نبكي لأننا لا ندري على أي حال سيكونون في قبورهم، وقد كانوا في هذه الدنيا مسرفين.
هذا واعلموا أن الأحبة أحوج ما يكونون في قبورهم إلى أعمال الخير، التي تُرفع بها الدرجات، وتُمحى بها السيئات.. من صدقة..، ودعاء..، وإحسان..
فلا تبخلوا بما تستطيعون.