فهرس الكتاب

الصفحة 6217 من 9994

عباد الله: ومن علامات تعظيم حرمات الله مناهيه أن يكره المؤمن ما نهى الله عنه من المعاصي والمحرمات، وأن يكره العصاة، ويبتعد عنهم ويبتعد عن الأسباب التي توقع في المعاصي، فيغض بصره عما حرم الله، ويصون سمعه عما لا يجوز الاستماع إليه من المعازف والمزامير والأغاني والغيبة والنميمة والكذب وقول الزور، ويصون لسانه عن ذلك، وأن يغضب إذا انتهكت محارم الله فيأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويقوم بالنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم، وأن لا يتبع الرخص والتساهل في الدين، ولا يتشدد فيه إلى حد يخرجه عن الاعتدال والاستقامة.

لأن من تتبع الرخص من غير حاجة إليها كان متساهلا . ومن تشدد في أمور الدين كان جافيا، ودين الله بين الغالي والجافي، وما أمر الله - عز وجل - بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما تقصير وتفريط، وإما إفراط وغلو، فإنه يأتي إلى العبد، فإن وجد فيه فتورا وتوانيا وترخصا ثبطه وأقعده وضربه بالكسل والتواني والفتور وفتح له باب التأويلات، حتى ربما يترك هذا العبد أوامر الله جملة، وإن وجد عنده رغبة في الخير وحبا في العمل وحرصا على الطاعة وخوفا من المعاصي أمره بالاجتهاد الزائد حتى يزهده بالاقتصار على الحد المشروع، فيحمله على الغلو والمجاوزة وتعدي الصراط المستقيم. كما يحمل الأول على القصور دون هذا الصراط ويحول بينه وبين الدخول فيه.

فاتقوا الله - عباد الله - أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور إن الشيطان لكم عدو فاتّخِذوه عدواً إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير [فاطر:5-6] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . .

الخطبة الثانية

الحمد لله على نعمه الباطنة والظاهرة، جعل الدنيا مزرعة للآخرة . وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الأولى والآخرة. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، المؤيد بالمعجزات الباهرة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه نجوم الهدى الزاهرة، وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وتأملوا في دنياكم، وسرعة زوالها، وتغير أحوالها، فإن ذلك يحملكم على عدم الاغترار بها، ويحفزكم على اغتنام أوقاتها قبل فواتها. يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله: فإن ضعفت النفس عن ملاحظة قصر الوقت وسرعة انقضائه، فليتدبر قوله - عز وجل: كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار [الأحقاف:35] . وقوله - عز وجل: قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوم أو بعض يوم فاسأل العادّين قال إن لبثتم إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون [المؤمنون:112-114] . وقوله - عز وجل: يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشراً نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوماً [طه:102-104] .

وخطب النبي - - صحابه يوما فلما كانت الشمس على رؤوس الجبال، وذلك عند الغروب قال: (( إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه ) ).

فيتأمل العاقل الناصح لنفسه هذا الحديث، وليعلم أي شيء حصل له من هذا الوقت الذي بقي من الدنيا بأسرها ليعلم أنه في غرور وأضغاث أحلام، وأنه قد باع سعادة الأبد والنعيم المقيم بحظ بخس خسيس لا يساوي شيئا، ولو طلب الله تعالى والدار الآخرة لأعطاه ذلك الحظ هنيئا موفورا، وأكمل منه.

كما في بعض الآثار: (ابن آدم: بع الدنيا بالآخرة تربحهما جميعا، ولا تبع الآخرة بالدنيا تخسرهما جميعا) .

وقال بعض السلف: ابن آدم: أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فإن بدأت بنصيبك من الدنيا أضعت نصيبك من الآخرة وكنت من نصيب الدنيا على خطر، وإن بدأت بنصيبك من الآخرة فمر بنصيبك من الدنيا فانتظمه انتظاما.

فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن الدنيا محطة تنزلون فيها في سفركم إلى الآخرة ؛ لتأخذوا منها الزاد لذلكم السفر فتزودوا فإن خير الزاد التقوى [ البقرة:197] .

واعلموا أن خير الحديث كتاب الله . . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت