فهرس الكتاب

الصفحة 3918 من 9994

ويالله، فلطالما استعبد الإنسان إحسان كريم، لا سيما إذا كان في موقف الرد على الإساءة، من غيبة أو نميمة أو نحوها، ولقد روى الحافظ ابن حبان البستي بسنده، أن أبا حنيفة ـ رحمه الله ـ لما اشتهر وعلا صيته، قال فيه بعض حاسديه: كنا من الدين قبل اليوم في سعة، حتى بلينا بأصحاب المقاييس، فبلغ ذلك أبا حنيفة، فبعث إليه بهدية جزاء ما فعل، فلما قبضها القائل ندم، وملكت الهدية قلبه فكفّر عما فعل بقوله:

إذا ما الناس يوما قايسونا بآوبة من الفتيا طريفة

أتيناهم بمقياس صحيح مصيب من طراز أبي حنيفة

إذا سمع الفقيه بها وعاها وأثبتها بحبر في صحيفة

فالله أكبر! كم تزيل الهدية من السخائم؟! وكم تنسخ من الشتائم؟!

وبعد ـ عباد الله ـ فإن ما مضى من الحديث عن الهدية ببيان فضلها وأثرها وحكمها، لا يمنع كونها محل تصنيف العلماء وتقسيمهم إلى ما يجوز منها وما لا يجوز؛ ولأجل ذا فإنه يجدر بنا في مثل هذا المقام أن نشير على عجالة واختصار شديدين، إلى بعض المحاذير التي تقع فيها المجتمعات، إبان حياتهم اليومية، اجتماعية كانت أو معيشية أو وظَفِيَّة، فيما يتعلق بالهدايا المحرمة، التي قد يغفل عنها كثيرون، ويتغافل عنها مأفونون [8] .

فمن ذلك ـ عباد الله ـ ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيميه ـ رحمه الله ـ من أنه لا يجوز للمرء المسلم إذا شفع شفاعة أن يقبل هدية ممن شفع له عند ذي سلطان مما هو مستحق له، لتكون مقابل شفاعته. وهذا هو المنقول عن السلف والأئمة الكبار، بدليل قول النبي: (( من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى باباً من أبواب الربا ) ) [رواه أبو داود[9] وهو حديث حسن].

وذلك ـ عباد الله ـ أن الشفاعة الحسنة مندوب إليها، فأخذ الهدية عليها يضيع أجرها، كما أن الربا يمحق الحلال، ولا يدخل في هذا التحريم، من استأجر لإنجاز معاملة ما أو ملاحقتها مقابل أجرة معينة فهذا من باب الإجارة الجائزة بالشروط الشرعية.

ومن ذلك ـ عباد الله ـ تحريم الهدية للقاضي إذا كانت أهديت إليه لأجل كونه قاضيا، بدليل قول النبي: (( لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم ) ) [رواه أحمد والترمذي] [10] ، إلا إن كان المهدي ممن له عادة بإهداء القاضي قبل أن يكون قاضيا فلا بأس بالهدية حينئذ ما لم تكن حال خصومة قائمة للمهدي عند ذلك القاضي.

ومن الهدايا المحرمة ـ عباد الله ـ هدية بعض الأولاد دون بعض، لما في ذلك من الحيف [11] والظلم؛ حيث إن بعض الناس يعجبه بر بعض أولاده به دون بعض، لما يرى فيه من الخلال الحسنة والبر الوافي، فيكافئه على هذا بتخصيص عطية له دون غيره والله ـ سبحانه ـ يقول: اعدلوا هو أقرب للتقوى [المائدة:8] .

وعن النعمان بن بشير، أن أباه أتى به إلى رسول الله فقال: إني نحلت ابني هذا غلاما فقال رسول الله: (( أكل ولدك نحلته مثله؟ ) )فقال: لا، فقال رسول الله: (( فأرجعه ) ) [رواه البخاري] [12] ، وفي لفظ لمسلم: (( فلا تشهدني إذاً، فإني لا أشهد على جور ) ) [13] ، وفي رواية لأحمد: (( أليس يسرك أن يكونوا إليك في البر سواء ) ) [14] .

أما كيفية العدل بين الأولاد في العطية فهي أن يعطى الذكر مثل حظ الأنثيين، كما قسم الله ذلك في فريضة الميراث العادلة، وهذا هو الذي عليه المحققون من الأئمة؛ كشيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم ـ رحمهما الله ـ، ويستثنى من ذلك عباد الله، فيما لو أعطى أحد أولاده عطية بمسوغ شرعي، كأن تقوم به حاجة ليست في الآخرين من فقرؤوا مرض أو نحو ذلك مما يستلزم العطية.

ومن الهدايا المحرمة، ما يتناوله الشهود في المحاكم جزاء شهادتهم ويسمونها هدية فإذا طلبوا إليها دون مقابل، حلف أحدهم أنه ناسٍ لها، وأن قلبه ذو إغفال، فإذا رأى المنقوش قال: ذكرتها. يا للمذكر جئت بالآمال! وما علم أولئك أن أداء الشهادة واجب بنص الكتاب كما قال ـ تعالى ـ: وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ [البقرة:282] . وقال ـ سبحانه ـ: وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءاثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [البقرة:283] .

ومن ذلك ـ عباد الله ـ، ما كان من الهدايا، في مقابل التنازل عن حق الله وشرعه، أو إقرار الباطل والرضى به، كما ذكر الله ذلك عن ملكة سبأ في محاولتها مع سليمان ـ عليه السلام ـ: وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون ، وقال قتادة: ما كان أعقلها في إسلامها وشركها، علمت أن الهدية تقع موقعا من الناس، وكانت قد قالت: إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه، وإن لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه.

فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا ءاتَانِى اللَّهُ خَيْرٌ مّمَّا ءاتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ [النمل:36] . قال ذلك منكرا عليهم: أي أتصانعونني بمال، لأترككم على شرككم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت