ومن الهدايا المحرمة ـ عباد الله ـ، ما يعطاه العمال الذين يعينهم ولي الأمر على حاجات الناس فيعطون الهدايا لأجل المحاباة، بحيث لو كانوا في بيوتهم لم ينلهم منها شيء، فهذه حرام لا يجوز أخذها بدليل ما رواه البخاري في صحيحه أن النبي استعمل رجلا على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه قال: هذا ما لكم وهذا هدية، فقال رسول الله: (( فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا ) )، ثم خطب الناس فكان مما قال: (( والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر ) )ثم رفع يديه حتى رئي بياض إبطه يقول: (( اللهم هل بلغت ) ) [15] .
جعلنا الله وإياكم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المؤمنين.
[1] السخائم: جمع سخيمة بمعنى الحقد (القاموس، مادة سخم) .
[2] حسن، الأدب المفرد ح (594) ، سنن البيهقي (6/169) .
[3] سنن الترمذي ح (2130) وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وأبو معشر اسمه: نَجِيح مولى بني هاشم، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قِبَل حفظه. وقال ابن حجر فيه: ضعيف. التقريب (7150) .
[4] صحيح البخاري ح (2568) ، وأخرجه أيضًا مسلم (كتاب النكاح ح(104) ولفظه: (( إذا دعيتم إلى كراع فأجيبوا ) ).
[5] المعجم الكبير (25/ 162) . قال الهيثمي في مجمع الزوائد (4/149) : وفيه من لم يعرف. قلت: ويكفي عنه ما سبق.
[6] صحيح البخاري ح (2566) ، وأخرجه أيضًا مسلم ح (1030) .
[7] حسن، سنن الترمذي ح (2790) .
[8] مأفونون: جمع مأفون بمعنى الضعيف الرأي والعقل (القاموس، مادة أفن) .
[9] سنن أبي داود ح (3541) .
[10] صحيح، مسند أحمد (6/386) ، سنن الترمذي ح (1336) وقال: حديث حسن صحيح ولفظه:"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم....".
[11] الحيف: الجور والظلم (القاموس ، مادة حيف) .
[12] صحيح البخاري ح (2586) ، وأخرجه أيضًا مسلم ح (1623) .
[13] صحيح مسلم: كتاب الهبات ح (14) .
[14] مسند أحمد (4/269) ، وإسناده صحيح.
[15] صحيح البخاري ح (2597) ، وأخرجه أيضًا مسلم ح (1832) . ... ... ...
الخطبة الثانية ... ... ...
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الأتقياء البررة وعلى التابعين وأتباعهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن من الصور المحرمة في الهدايا، ما يهدى من أشياء محرمة كآلات لهو من معازف وغيرها، وكالتماثيل والصور المحرمة، أو ما يجلب الشر ويمنع الخير، كالأقمار المستديرة وشبهها مما يجر البلاء على المسلمين، ويقضي على دينهم والصبغة التي فطروا عليها ويحلق ما تبقى من خلال حسنة.
وكذا الإهداء والتهادي بمناسبة أعياد الكفار أو ما يسمى يوم الأم، أو ما شابه ذلك مما هو مسترق من أهل الكفر، ومغلف بأغلفة مزيفة كالحب والتصافي، والبر والصلة ونحوها. فهذا كله محرم؛ لأنه من باب التشبه بأهل الكفر، والنبي يقول: (( من تشبه بقوم فهو منهم ) ) [1] [رواه أحمد وأبو داود] . وقديما قيل: (الطيور على أشكالها تقع) .
ومن الهدايا المحرمة عباد الله، ما ابتلي به كثير من المجتمعات مما يسمى (( الرشوة ) )التي يتفننون في تسميتها، أو يلقبونها بألقاب تخدع السذج، وتسر الغششة، حتى لقد انتشرت انتشار النار في يابس الحطب، حتى أفسدت كثيرا من الذمم، وصارت سببا لإفساد العمال على أصحاب العمل، فيجعلون الخدمة لمن يدفع جيداً، ومن لا يدفع فلا حول له ولا قوة، فلا يجد أمامه في قضاء حوائجه إلا نفوسا منهومة منكسة، حتى صار أسهلها من خلقها منعا وهات، وأحلاها هات وهات، والأصل في هذه الوظائف ـ عباد الله ـ أن يقوم رجالها على العدل بين الناس ليسود الأمن بين كافة أفرادهم، فالذي يقبل الرشوة أو يطلبها من الموظفين العاملين على خدمة الجمهور، يكون قد أخل بالأمن، وأفسد نظام الحكم، الراشي والمرتشي مجرمان أثيمان يدفع الأول أجرا على إفساد العدل، ويأخذ الثاني أجرا على الإخلال بالأمن، والمال الذي يأخذه المرتشي سحت ونار، لأنه يهدم شريعة قام عليها ركن العدل بين الناس، فلا جرم ـ عباد الله ـ إذا دعا عليهم النبي بقوله: (( لعنة الله على الراشي والمرتشي ) ) [رواه ابن ماجة] [2] .
[1] صحيح، مسند أحمد (2/50) ، سنن أبي داود (4031) .
[2] صحيح سنن ابن ماجه ح (2313) ، وأخرجه أيضًا بمعناه: أحمد (2/387) والترمذي ح (1337) وقال: حسن صحيح، وأبو داود ح (3580) . ... ... ...