فهرس الكتاب

الصفحة 5278 من 9994

وقولهم: فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا أي لا يخاف أن يُبخس حقًا، ولا يُحمّل وزر غيره، كما قال تعالى: وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما (111) ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما {طه: 111، 112} .

وقولهم: وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون أي الجائرون الظالمون، القاسط هو الجائر الظالم، أما المقسط فهو العادل، قال تعالى: وأقسطوا إن الله يحب المقسطين، وقال هنا: وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا.

وقولهم: فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا أي: اختاروا لأنفسهم النجاة بقبولهم الإسلام الذي هو دين الحق بعد التحرّي ودقة النظر والتأمل فيه، حتى تبين لهم أنه الحق، وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا كما قال تعالى للمشركين: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم {الأنبياء: 98} ، يعني حطب جهنم، ولذا قال تعالى للمؤمنين: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة {التحريم: 6} ، فالناس هم القاسطون، والحجارة هي الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله.

وقوله تعالى: وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا: المراد بالطريقة: الطريقة المحمدية النبوية.

فعليك يا عبد الله بطريقة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ودع سائر الطرق، فإنها طرق ضلالة، إنّ طريقة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هي صراطُ الله، الذي أمرت بالسير عليه، واجتناب ما سواه، قال تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله {الأنعام: 153} .

إن طريقة محمد صلى الله عليه وسلم غنيً عن جميع الطرق، كما قال تعالى: إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين {الأنبياء: 106} ، أي: إن في هذا القرآن لكفاية لقوم عبدوا الله واجتنبوا الطاغوت، ومن لم يكفه القرآن فلا كفاه الله، ومن لم يستغن بالقرآن فلا أغناه، وقوله تعالى: لأسقيناهم ماء غدقا أي: ماء هنيئًا مريئًا متتابعًا، لا ينقطع عنهم، كما قال تعالى: لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (10) ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات {النحل: 10، 11} ، ولقد ربط الله تعالى سعة الرزق ورغد العيش بالاستقامة في أكثر من آية، قال تعالى: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون {الأعراف: 96} ، وقال تعالى: ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب {الطلاق: 2، 3} ، وقال تعالى: وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى {طه: 132} .

وقوله تعالى: لنفتنهم فيه أي: نوسع عليهم في الرزق: لنبلوهم أيهم أحسن عملا {الكهف: 10} . ولنعلم من يشكر منهم ومن يكفر.

وقوله تعالى: ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا أي: يدخله في نوع من العذاب خاصٍ، وهو الصعود، فيكلف وهو في أسفل وادٍ في جهنم أن يصعد في جبل منها، وفي ذلك من العناء والإرهاق والمشقة ما لا يخفى، كما قال تعالى: سأرهقه صعودا، عافانا الله وسائر المسلمين، وهذا الصعود نوع من أنواع عقوبة الإعراض عن ذكر الله، وثمّ أنواع أخرى:

منها: تسلّط الشيطان على الإنسان فيصدّه عن الهدى والحق، قال تعالى: ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (36) وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون الزخرف: 36، 37 )) ).

ومنها: الطبعُ على القلب، قال تعالى: ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون {السجدة: 22} .

ومنها: المعيشة الضنك، قال تعالى: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى {طه: 124} .

ومنها: الإنذار بصاعقة مثل صاعقة عادٍ وثمود، قال تعالى: فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود {فصلت: 13} .

ومنها: كونُ المعرِض كالحمار، قال تعالى: فما لهم عن التذكرة معرضين (49) كأنهم حمر مستنفرة {المدثر: 48- 51} .

يقول تعالى آمرًا عباده أن يوحّدوه في محالّ عبادته: وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا، لأن دعاء غير الله ينافي توحيد الله، فلا تدعوا مع الله أحدا، كما قال تعالى: ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين (106) وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم {يونس: 106-107} .

وإذ الأمر كذلك فلا تدعوا مع الله أحدا، لأن"الدعاء هو العبادة"، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا كان أحدٌ لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلاً عن أن يملكه لغيره، فكيف تدعونه من دون الله؟! أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولايضركم (66) أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون {الأنبياء: 66، 67} ، ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون (5) وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين {الأحقاف: 5- 6} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت