فهرس الكتاب

الصفحة 5279 من 9994

إنّ من العجيب أن ترى أناسًا من أهل التوحيد يأتون الأضرحة والمقامات يتضرعون إليها، ويستغيثون بها، وإن تسمع لقولهم تسمع الكفر البواح: فهذه امرأة لا تلد! تسأل سيدها صاحب المقام أن تحمل! وهذه أولادُها يموتون! تسأل سيدها صاحب المقام أن يعيشوا! وهذا رجلٌ موظفٌ في مكان بعيد! يسأل سيده صاحب المقام أن ينقله إلى بلده! يا هؤلاء أفيقوا: إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم {الأعراف: 194} ، ما يملكون من قطمير (13) إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير {فاطر: 13، 14} ، فادعوا الله مخلصين له الدين {غافر: 14} ، وإذا سألتم فاسألوا الله، وإذا استعنتم فاستعينوا بالله، واعلموا أن الأمر كله لله، ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم {فاطر: 2} .

وقوله تعالى: وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا المراد بعبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما وصفه ربه بالعبودية لأنها أشرف ما يوصف بها إنسان، ولذا وصف الله تعالى بها نبيه صلى الله عليه وسلم في أشرف المقامات، فقال في مقام التنزيل: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا {الكهف: 1} ، وقال في مقام الدعوة: وأنه لما قام عبد الله يدعوه الآية، وقال في مقام التحدي: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا {البقرة: 23} الآية، وقال في مقام الإسراء: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى {الإسراء: 1} .

ومعنى الآية: أنه لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الله اجتمعت الإنس والجن على إطفاء نور هذا الدين، فأبى الله إلا أن يظهره على الدين كله، وقوله تعالى: قل إنما أدعو ربي أي أعبده ولا أشرك به أحدا، وهذه الآية كقوله تعالى: قل الله أعبد مخلصا له ديني (14) فاعبدوا ما شئتم من دونه {الزمر: 14، 15} .

ثم أمر الله نبيه أن يعين لهم أنه ليس له من الأمر، وإنما هو نذير مبين، فقال تعالى: قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا كما قال تعالى: ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء {البقرة: 272} ، وكما قال تعالى: إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء {القصص: 56} ، كما أمر الله نبيه أن يبين لهم إذا كان لا يملك لهم ضرًا ولا رشدًا، فإنه كذلك لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، وأنه إن عصى الله فلن يجد من يدفع عنه عذابه، فقال تعالى: قل إني لن يجيرني من الله أحد أي لا أحد ينقذني من عذاب الله إن عصيته: ولن أجد من دونه ملتحدا، أي لا أجد نصيرًا ولا ملجأ ألجأ إليه، وأستجير به من عذاب الله، وقوله تعالى: إلا بلاغا من الله ورسالاته معناه: أنه لا سبيل لنجاتي من عذاب الله إلا أن أبلغكم ما أرسلت به إليكم، فهذا هو السبيل الأوحد لنجاتي، فهذه وظيفتي، البلاغ، فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم {هود: 57} ، ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها، وهذا وعدٌ حق، حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا أهم؟ أم المؤمنون الموحدون؟ وهم- بلا شك- أضعف ناصرًا وأقل عددًا.

وكما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: لا أملك لكم ضرا ولا رشدا أمره أن يبين لهم أنه لا يعلم الغيب، فقال تعالى: قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا يعني لا أعلمُ متى يحل بكم عذاب الله، ولا أعلم متى تكون الساعة؛ لأن ذلك من علم الغيب، وهو من خصائص الرب سبحانه، فهو سبحانه عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا، فلا يعلمُ الغيب ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا ولي صالح من الجن والإنس، وقد سبق قول الله تعالى حكاية عن الجن: وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا، ولقد سئل صلى الله عليه وسلم:"متى الساعة؟"فلم يجب، وإنما قال:"ما المسئول عنها بأعلم من السائل". وكان السائل جبريل عليه السلام.

ولذا قال تعالى: يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إ لا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون {الأعراف: 187} .

وقوله تعالى: إلا من ارتضى من رسول من الملائكة أو من ينزلون عليهم بالوحي من البشر يعني فإن الله يُطلعه على بعض الغيبيات، وهذه كما قال تعالى: ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء {البقرة: 255} ، وقوله تعالى: فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا، أي يخصّه بمزيد حفظه من الملائكة، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم أي ليعلم الله أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم، من غير زيادة ولا نقص، وهو سبحانه يعلم ذلك سلفًا، ولهذا قال تعالى: وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا، وإنما هذه الآية كقوله تعالى: ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم {محمد: 31} ، ونحوها، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت