فهرس الكتاب

الصفحة 4779 من 9994

-ومن هذه الآثار أن الذنوب تزيل النعم بمختلف أنواعها وتحل النقم والمحن قال تعالى: وضرب الله مثلاُ قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون .

فكم أزالت الذنوب والمعاصي حين تنتشر في الأمة من الأموال والأرزاق والأمن والعافية.

ومن ذلك حبس القطر من السماء قال: (( ما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ) ). بل إن البهائم لتلعن عصاة بني آدم إذا أمسك المطر.

أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي قتادة أنه مُر على النبي بجنازة فقال: (( مستريح ومستراح منه ) )قالوا: يا رسول الله ما المستريح؟ وما المستريح منه؟ فقال: (( العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب ) ).

قال تعالى: كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم .

أيها المؤمنون: إن أثر الذنوب وخطرها ليعظم في حق المذنب وفي حق عموم الأمة حيث يقترن هذا الذنب بأمور،نذكر ثلاثة منها.

أولاً: الاستهانة بالمعصية وعدم استعظام الذنب، فإنه بقدر ما يصغر الذنب عند العاصي بقدر ما يعظم عند الله، قال ابن القيم رحمه الله:"فاستقلال العبد للمعصية عين الجرأة على الله وجهل بقدر من عصاه وبقدر حقه"نعم لأنه إذا استصغر المعصية هان أمرها وخفت على قلبه ولم يجد حرجاً الاستزادة منها.

إن استعظام الذنوب يولد عند صاحب الذنب الاستغفار والندم والتوبة، أما أولئك الذين يحتقرون الذنوب فإنهم وإن عزموا على التوبة كانت العزيمة باردة، لأن داعي التوبة ضعيف.

روى البخاري عن أنس قوله لأهل زمانه الذين هم من خير القرون: (إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على عهد النبي من الموبقات) .

وجاء عن حذيفة قال: (إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد النبي فيصير بها منافقاً وإني لأسمعها من أحدكم في المجلس الواحد أربع مرات) .

وإن المسلم ليتساءل ماذا عسى هؤلاء أن يقولوا لو رأوا ما نحن فيه.

قال ابن مسعود مصوراً حال المؤمن وحال الفاجر: (إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فطار) .

قال المحب الطبري رحمه الله:"وإنما كانت هذه صفة المؤمن لشدة خوفه من الله ومن عقوبته وسخطه،والفاجر قليل المعرفة بالله، فلذلك قل خوفه من الله واستهان بالمعصية."

أخرج الإمام أحمد عن ابن مسعود قال: (إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه) .

ثانياً: مما يعظم به أثر الذنوب وخطرها على الأمة المجاهرة بها وإعلانها.

إن المجاهرة بالمعصية إثم كبير ووزر عظيم يترفع عنه المؤمنون بالله تعظيماً له وإجلالا وخوفاً منه ورهبة، وطلباً للعفو والستر والمغفرة في الدنيا والآخرة، ولا يقدم على المجاهرة بالمعصية إلا كل جهول ضال عن سواء السبيل، لا يعرف لله قدراً قد خف خوف الله والحياء منه من قلبه.

ولقد ذم الله الأمم الخالية ممن جاهر بالعصيان وأمن مكر الله، فأخذهم الله على غرة وهم في غيهم يعمهون وهكذا سنة الله فيمن عصاه، فإن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.

أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى [طه:128] .

تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين . قال بعض السلف بغت القومَ أمرُ الله، وما أخذ الله قوماً إلا عند سلوتهم ونعمتهم وعزتهم فلا تغتروا بالله.

قال: (( كل أمتي معافى إلا المجاهرين ) )متفق عليه.

وإن المجاهرة بالمعصية تغري الغافل ومن في قلبه مرض على مجاراة العاصي وتقليده في معصيته، فيكون قد جمع إلى معصيته معصية أخرى وهي الدلالة على الضلالة فيكون عليها وزرها ووزر من عمل بها.

ثالثاً: مما يعظم به خطر الذنوب على المجتمع عدم الإنكار على أهل الذنوب والمعاصي، بل قد يتطرق ذلك إلى مجالستهم ومشاركتهم بالسكوت عنهم، وهذا من أسباب عموم العذاب واللعنة قال تعالى: لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون .

ثم إن النجاة حين ينزل العذاب تكون للمصلحين فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون .

والمتأمل في كتاب الله وسنة رسوله يجد أن سنة الله في هذا جلية واضحة فإن الله قد نجى رسله أجمعين لما نزل العذاب والعقاب. فإن الله يعذب من عصاه ومن سكت، وهو قادر على الإنكار كما جاء في الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت