رابعًا: ما جاء عن إسحاق بن راهويه شيخ البخاري فيما رواه عنه البيهقي والحافظ الذهبي، قال: دخلت على عبد الله بن طاهر أمير خراسان، فقال لي: ما هذه الأحاديث؟ تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا؟ قلت: نعم، رواها الثقات الذين يروون الأحكام، فقال: ينزل ويدع عرشه؟ فقلت: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش؟ (12) ، قال: نعم، قلت: فلم نتكلم في هذا؟ (13) ، يريد إثبات ذلك والتسليم بما سلم به أهل الحديث وعدم إدخال العقل فيما لا يمكن إدراكه وكنهه، وفي رواية أخرى له ذكراها يقول إسحاق: قال لي ابن طاهر: يا أبا يعقوب، هذا الذي تروونه: (ينزل ربنا كل ليلة) ، كيف ينزل؟ قلت: أعز الله الأمير، لا يقال: كيف، إنما ينزل بلا كيف. وفي زيادة للحاكم ذكراها، ورواها ـ أيضاً ـ الحاكم بسنده عن أحمد بن سعيد الرباطي، قال: حضرت مجلس ابن طاهر ذات يوم وحضر إسحاق، فسُئل عن حديث النزول: أصحيح هو؟ قال إسحاق: نعم، فقال له بعض قواد الأمير عبد الله: كيف ينزل؟ فقال: أثبتْه فوق حتى أصف لك النزول! فقال له الرجل: أثبته فوق! فقال إسحاق: قال الله تعالى: وجاء ربك والملك صفا صفا [الفجر:22] فقال ابن طاهر: هذا يا أبا يعقوب يوم القيامة، فقال إسحاق: ومن يجئ يوم القيامة من يمنعه اليوم؟ (14) .
وللبيهقي في (الأسماء والصفات) يقول إسحاق: فقلت: أيها الأمير، إن الله تعالى بعث لنا نبياً نقل إلينا عنه أخباراً بها نحلل الدماء وبها نحرم، وبها نحلل الفروج وبها نحرم، وبها نبيح الأموال وبها نحرم، فإن صح ذا صح ذاك، وإن بطل ذا بطل ذاك، قال فأمسك عبد الله) (15) . كما روى عنه الحاكم قوله في أحاديث النزول والرؤية: رواها من روى الطهارة والغسل والصلاة والأحكام- وذكر أشياء- فإن يكونوا في هذه عدولاً وإلا فقد ارتفعت الأحكام وبطل الشرع (16) ، وهذا الذي قاله إسحاق هو الذي عليه عامة أهل السنة والجماعة في جميع نصوص الصفات، وفيه ما يدل على أن مذهبهم إمرارها كما جاءت، والإيمان بها بلا كيف، يقول فيما رواه عنه الخلال: إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى، ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة (17) .
خامسًا: ما جاء عن الإمام الحافظ أبي زرعة الرازي وأبي حاتم، فيما رواه عنهما عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سألت أبي وأبا زرعة رحمهما الله تعالى عن مذهب أهل السنة والجماعة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار حجازاً وعراقاً ومصراً وشاماً ويمناً وما يعتقدان من ذلك؟ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار فكان من مذاهبهم.. أن الله تبارك وتعالى على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بلا كيف، أحاط بكل شيء علماً ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [الشورى:11] (18) .. وما جاء عن أبي بكر بن أبي عاصم الشيباني قال: جميع ما في كتابنا - كتاب السنة الكبير- من الأخبار التي ذكرنا أنها توجب العلم، فنحن نؤمن بها لصحتها وعدالة ناقليها، ويجب التسليم لها على ظاهرها، وترك تكلف الكلام في كيفيتها، فذكر من ذلك النزول إلى السماء الدنيا والاستواء على العرش (19) .. وما جاء عن شيخ أبي الحسن الأشعري وشيخ البصرة وحافظها زكريا الساجي، قال: القول في السنة التي رأيت عليها أصحابنا أهل الحديث الذين لقيناهم أن الله تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف يشاء، ... وساق سائر الاعتقاد (20) .. وما جاء عن ابن جرير الطبري، قال: وحسب امرئ أن يعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى، فمن تجاوز ذلك فقد خاب وخسر، والحق أن تفسيره مشحون - على حد قول الحافظ الذهبي - بأقوال السلف على الإثبات، فنقل في قوله تعالى: ثم استوى إلى السماء [البقرة:29، فصلت:11] عن الربيع بن أنس أنه بمعنى ارتفع، ونقل في تفسير ثم استوى على العرش [الأعراف:45، يونس:3، الرعد:2، الفرقان:59، السجدة:4، الحديد:4] في المواضع كلها، أي: علا وارتفع. وقد روى قول مجاهد ثم قال: ليس في فرق الإسلام من ينكر هذا (21) .