فهرس الكتاب

الصفحة 2857 من 9994

فيا عبد الله: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وأكثر من ذكر الموت، فإن من أكثر من ذكر الموت أكرم بثلاثة: تعجيل التوبة، والقناعة، والاجتهاد في الطاعة، ومن نسي الموت عوقب بثلاثة: تسويف التوبة، وعدم القناعة، والتكاسل عن الطاعة.

وتفكر يا مغرور في الموت وشدّته، وصعوبة كأسه ومرارته، فيا للموت من وعد ما أصدقه، ومن حاكم ما أعدله! كفى بالموت مفزّعا للقلوب، ومبليّا للعيون، ومفرّقا للجماعات، وهاذما للذات، وقاطعا للأمنيات. فهل تفكرت يا ابن آدم في يوم مصرعك، وانتقالك من موضعك، إذا نقلت من سعة إلى ضيق، وخانك الصاحب والرفيق، وهجرت الأخ والصديق، وأخذت من فراشك وغطائك إلى غرر، وغطوك من بعد لين لحافها بتراب مدر. فيا جامع المال، ويا مجتهدا في البنيان ليس لك من مالك والله إلا الأكفان، بل هي للخراب والذهاب، وجسمك للتراب والمثاب. فأين ما جمعت من المال هل أنقذك من الأهوال؟ وكأني بك تقول وقد قرأت كتابك وأيقنت بالبوار: يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابية يا ليتها كانت القاضية ما أغني عني ماليه هلك عني سلطانية [الحاقة:25-29] .

فيا نائما أفق، ويا غافلا انتبه، وبادر بالأعمال الصالحة قبل أن لا تقدر عليها ويحال بينك وبينها إما بمرض أو موت. قال أبو حازم: إن بضاعة الآخرة كاسدة، يوشك أن تنفق فلا يوصل منها إلى قليل أو كثير. ومتى حيل بين الإنسان والعمل لم يبق إلا الحسرة والأسف عليه، ويتمنى الرجوع إلى حال يتمكن فيها من العمل فلا تنفعه الأمنية، قال تعالى: وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين بلى قد جاءتك آياتي فكذّبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين [الزمر:54-59] .

وقوله: (( وأحبب من شئت فإنك مفارقه ) )أحبب أخاك فإنك مفارقه، أحبب أمك فإنك مفارقها، أحبب أباك فإنك مفارقه، أحبب زوجتك فإنك مفارقها، أحبب ولدك فإنك مفارقه، أحبب مالك فإنك مفارقه، أحبب دارك فإنك مفارقها، أحبب عائلتك فإنك مفارقها، أحبب من شئت، وأحبب ما شئت فإنك مفارقه بموت أو غيره، فما من أحد في الدنيا إلا وهو ضيف، وما بيده عارية فالضيف مرتحل، والعارية مردودة.

قال الغزالي: القصد بهذا تأديب النفس عن البطر الأشر، والفرح بنعيم الدنيا، فإنه إذا علم أن من أحب شيئا يلزم فراقه، ويشقى لا محالة بفراقه، شغل قلبه بحب من لا يفارقه، وهو ذكر الله والعمل الصالح، فإن ذلك يصحبه في القبر فلا يفارقه، كما قال النبي: (( يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله ويبقى عمله ) ).

وفي حديث البراء بن عازب أن النبي أخبر أنه بعد سؤال المؤمن في قبره: (( يأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرّك، أبشر برضوان من الله وجنات فيها نعيم مقيم، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: وأنت فبشرك الله بخير، من أنت؟ فوجهك الوجه يجئ بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فوالله ما علمتك إلا كنت سريعا في طاعة الله بطيئا في معصية الله، فجزاك الله خيرا ) ).

وأما الكافر فإنه بعد سؤاله: (( يأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: وأنت فبشرك الله بالشر، من أنت؟ فوجهك الوجه يجئ بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، فوالله ما علمتك إلا كنت بطيئا عن طاعة الله، سريعا إلى معصية الله، فجزاك الله شرا ) ).

وقوله: (( واعمل ما شئت فإنك مجزي به ) )، أي يوم القيامة. كما قال تعالى: كل نفس ذائقة الموت وإنما توفّون أجوركم يوم القيامة [آل عمران:185] .

من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [الزلزلة:7-8] .

وقد كثر ذكر جزاء الأعمال في القرآن الكريم، قال الله تعالى: ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى [النجم:31] .

وقال تعالى: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة مالهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [يونس:26-27] .

وقال تعالى عن أهل الجنة: ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون [الأعراف:43] .

وقال في وصف نعيمها: وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون [الواقعة:20-24] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت