وقال عن أهل النار: يوم يدعون إلى نار جهنم دعّا هذه النار التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون [الطور:13-16] .
ولما ذكر الموت وجزاء الأعمال أرشد إلى أشرف الأعمال فقال: (( واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل ) )والشرف هو الرفعة، يقال: لفلان شرف: أي منزلة عالية، فالنبي يرشد أمته إلى أن ما يرفع منزلة المؤمن هو قيام الليل، فلأهل القيام منزلة لا تدانيها منزلة، قال تعالى: إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون [الذاريات:15-18] .
وقال النبي: (( إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وقام وصلى والناس نيام ) ).
فعليكم عباد الله بقيام الليل، فهو عنوان الإيمان، ودليل الإحسان:
قال تعالى: إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بما خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعلمون [السجدة:15-17] .
وقال تعالى: إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون [الذاريات:15-18] .
وقد فرّق الله تعالى بين أهل القيام وغيرهم، فقال: أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون [الزمر:9] .
ولقد كان رسول الله يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، وهو الأسوة الحسنة والمثل الأعلى، كما قال تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا [الأحزاب:21] .
ولما كان الشرف والعز أخوين استطرد بذكر ما يحصل به العز فقال: (( وعزّه استغناؤه عن الناس ) )أي قوته وعظمته وغلبته على غيره في اكتفائه عما في أيدي الناس.
وهذه وصية رسول الله لرجل قال له: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال: (( ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس ) ).
ولذا قال الحسن: لا تزال كريما على الناس، ولا يزال الناس يكرمونك، ما لم تتعاط ما في أيديهم، فإذا فعلت ذلك استخفوا بك، وكرهوا حديثك، وأبغضوك.
وقال عمر: إن الطمع فقر، وإن اليأس غنى، وإن الإنسان إذا أيس من شيء استغنى عنه.
وقال الغزالي: من لا يؤثر عز النفس على شهوة البطن فهو ركيك العقل، ناقص الإيمان، ففي القناعة العز والحرية.
ولذلك قيل: استغن عمن شئت فأنت نظيره، واحتج إلى من شئت فأنت أسيره، وأحسن إلى من شئت فأنت أميره.
ودخل أعرابي البصرة فقال: من سيد أهل هذه القرية؟ قالوا: الحسن، قال: بم سادهم؟ قالوا: احتاج الناس إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم.
فيا عبد الله:
هي القناعة فاحفظها تكن ملكا لو لم يكن لك منها إلا راحة البدن
وانظر إلى من ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الطيب والكفن
نسأل الله أن يغنينا بحلاله عن حرامه، وأن يكفينا بفضله عمن سواه.