فهرس الكتاب

الصفحة 3926 من 9994

ومضة قرآنية إشراقة من الصفات والأسماء والأفعال الإلهية .. أين حظها من واقع الحياة ؟ أين الذين يذلون لغير الله ويلتمسون القوة من شرق أو غرب أو عند هذا أو ذاك ؟ أين الذين يعتقدون اعتقاداً جازماً أن الملك الحق وأن التصرف المطلق إنما هو لله وليس للقوة العظمى ، وليس للأمم المتحدة أو المختلفة ؟ أين الذين يعيشون هذا المعنى وهم يواجهون الخطور أو يواجهون المحن والفتن والكروب ؟ أين هذه الحقائق في أغوار النفوس وأعماق القلوب ؟

مسائل كثيرة وآيات عديدة تأملها يبين عظمة الحق جل وعلا ..

{ إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ 95} فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ .

تأمل .. تدبر .. فالآيات في القرآن جلها في وصف ذات الله جل وعلا وأسمائه وصفاته وأفعاله .

{ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } .

بعد كل هذه المعرفة بهذه العظمة وتلك النعمة يأتي الظلم والجحد لنعم الله عز وجل ، والمضي بعيداً عن شكره وعدم الإقرار بفضله سبحانه وتعالى ، ثم تأمل خطاب القرآن وهو يثير كل عقل مفكر ، وكل قلب حي .. حتى يدرك الإنسان أن عظمة الله جل وعلا وعظمة منته ونعمته عليه ، فلا ينسى ولا يغفل أنه أسلوب القرآن في المقارنة والمفارقة التي تظهر منة الله جل وعلا وقدرته وعظمته وتظهر ضعفك أيها المخلوق ، بل ضعف الخليقة كلها بل ضعف الكون كله بما فيه وبمن فيه ؛ لأن الله خالقه ؛ ولأن الله مدبر أمره ؛ ولأن الله المتصرف بأمره ؛ ولأن الله سبحانه وتعالى هو المسخر له بما ينفع الخلق والناس في دنياهم وحياتهم .. { أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} .

هذا السؤال الذي يتكرر مع كل آية كأنه يقول لنا: هل واقعكم يثبت ذلك حق لله عز وجل ؟ هل تصرفكم ويقين قلوبكم ومشاعر نفوسكم تترجم ذلك أم الأمر على غيره ؟

إذا وقعت بك الكروب ، وحلّت بك الخطوب ، وانقطع عنك الناس ، وعجزت قوى الأرض عن نصرتك في مواجهة طغاة أو متجبرين .. ليس لك إلا الله ، ولا ملتجأ إلا إليه ،ولا إفضاء بالضعف والهوان إلا إليه .. ذلكم ما فعله سيد الخلق صلى الله عليه وسلم في سرائه وضرائه ، في شدته وفي رخائه .. ذلكم الذي مثّله محمد عليه الصلاة والسلام صاحب القلب الموصول بالله ، صاحب المعرفة العظمى بالله .. ( أما إني أعلمكم بالله وأخشاكم له ) ترجم ذلك العلم بالله ، والمعرفة بأسمائه وصفاته إلى سلوك ظاهر في القلب المعلق بالله ، الآنس بذكر الله ، المتزلف المتقرب إلى رضوان الله ، الواثق المعتقد على قوة ونصر الله .. ذلكم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي وقف يوم بدر يرفع يديه إلى السماء: ( اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً ) يتوسل ، يتضرع ، يبتهل حتى يسقط ردائه عن منكبيه فيقول أبو بكر:"حسبك يارسول الله ؛ فإن الله منجز لك ما وعدك".

ويقول صلى الله عليه وسلم: ( لكأني أنظر إلى مصارع القوم هذا مصرع أبي جهل ، هذا مصرع أبي ابن خلف ، هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان ... )

فلم يجاوز أحد موضعه الذي عيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم .. تلك هي المعرفة الحقة التي ظهرت في كل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في كل حركة من حركاته .. في كل كلمة من كلماته ، في كل موقف من مواقفه .. تلك هي المعرفة الحقة التي يجب أن تخلص إلى قلوبنا عظمة الله جل وعلا في خلقه وتدبيره أمرها جليل وعظيم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت