فهرس الكتاب

الصفحة 2688 من 9994

إن هذه العبادة العظيمة, إن مفهوم الخشية والمراقبة غاب في قاموس كثير من الناس إلا من رحم ربك, غاب في تعاملنا مع ربنا, في تعاملنا في أنفسنا, في تعاملنا مع الناس في أقوالنا, في أفعالنا, في بيعنا وشرائنا, في تربيتنا لأبنائنا, في أدائنا في وظائفنا, في تعاملنا مع الأجراء والخدم, في حياتنا كلها, والموفق من وفقه الله.

بالخوف والخشية تصلح أمور العباد, بل يصلح الكون كله, قال أبو حفص:"الخوف سراج في القلب يبصر به ما فيه من الخير والشر".

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار, وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء, وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون [البقرة: 74] , لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون [الحشر: 21] .

فكم من البشر وفي الحجارة والجبال والأشجار والحيوان خير منه, وقديمًا قيل:"من كان بالله أعرف كان له أخوف", ولهذا يتمايز المؤمن من غيره, ويظهر الصادق في خشيته ممن يدّعي ويتزين, يظهر أهل الخشية الحقة في وقت الخلوات وساعات الوحدة والعزلة عن الخلق, فكثير أولئك الذين يتصدقون أمام الناس ولكنهم في السر قليل, كثير الذين يتورعون عن ظلم الناس أمام الناس وهم في السر أظلم الخلق, كثيرٌ هم أولئك الذين يقومون بالطاعات ويهجرون المعاصي في حضرة الخلق, وإذا خلوا بمحارم الله انتهكوها.

إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير [الملك: 12] .

[1] رواه مسلم ح (1695) .

[2] الحديث رواه البخاري ح (4829) ، مسلم ح (899) .

[3] الحديث رواه الترمذي ح (3175) ، وابن ماجه (4198) .

[4] رواه البخاري ح (660) ، ومسلم ح (1031) .

الخطبة الثانية

في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: فقدت رسول الله ليلة من الفراش, فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد (أي في السجود) وهما منصوبتان وهو يقول: (( اللهم أعوذ برضاك من سخطك, وبمعافاتك من عقوبتك, وأعوذ بك منك, لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ) ) [1] .

وأخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: (( إني لأنقلب إلى أهلي, فآخذ التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها, ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها ) ) [2] .

قال الحسن البصري ـ رحمه الله ـ:"لقد مضى بين يديكم أقوام لو أن أحدهم أنفق عدد هذا الحصى لخشي أن لا ينجو من عظم ذلك اليوم", وقال رحمه الله:"عملوا والله بالطاعات, واجتهدوا فيها, وخافوا أن ترد عليهم, إن المؤمن جميع إيمانًا وخشية, والمنافق جمع إساءة وأمنًا".

روى الترمذي ـ وقال: حسن صحيح ـ والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع, ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم ) ) [3] .

وروى الترمذي وابن ماجه وحسنه النووي عن أنس رضي الله عنه أن النبي دخل على شاب وهو في الموت فقال: (( كيف تجدك؟ ) )قال: والله يا رسول الله إني أرجو الله وإني أخاف ذنوبي, فقال رسول الله: (( لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو, وأمنه مما يخاف ) ) [4] .

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"لو نادى مناد من السماء: أيها الناس إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجلاً واحدًا لخفت أن أكون أنا هو".

وروى البيهقي بسنده عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال:"كنا جلوسًا مع رسول الله تحت شجرة فهاجت الريح, فوقع ما كان فيها من ورق نخِر, وبقي ما كان من ورق أخضر, فقال رسول الله: (( ما مثل هذه الشجرة؟ ) )فقال القوم: الله ورسوله أعلم, فقال: (( مثل المؤمن إذا اقشعر من خشية الله عز وجل وقعت عنه ذنوبه وبقيت له حسناته ) ) [5] ."

[1] رواه مسلم ح (486) .

[2] رواه البخاري (3433) .

[3] رواه الترمذي ح (1633) ، والنسائي ح (3108) ، وأحمد (10182) .

[4] رواه الترمذي ح (983) ، وابن ماجه ح (4361) .

[5] رواه أبو يعلى في مسنده، وأشار الهيثمي على تضعيفه (10/310) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت