فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إن ما تثقفوا به هو أسوأُ ما عند الشرق, وأقبح ما عند الغرب, إن ثقافتهم هي روايات شكسبير الإنجليزي الهالك , ومسرحيات شارل أند شابلن المهرجين الغابرين .
أخي المسلم: وحتى تكون مثقفاً في نظر أولئك, ما عليك إلا أن تتناول قلماً وتكتب مقالاً, ليس من شروطه الإنصاف والموضوعية , وليس من شروطه القوة والجدية ، وليس من شروطه حسن العرض وسلامة الأفكار، وليس من شروطهِ الجِدةُ وروعةُ الابتكار ، كلا كل ذلك لا قيمة له, ولا وزن , بل يكفي أن تهجو من خلاله المقبلين على الله, الملتزمين بشرع الله, وأن تحشر في مقالك ذاك عدة مصطلحات معروفة , تكررها بين كل سطر, والذي يليه ففي السطر الأول مصطلح الظلاميين , وفي السطر الثاني مصطلح القرون الوسطى , وفي السطر الثالث مصطلح الماضوي , وغيرها من الشنشنة التي نعرفها من أخزم .
وحتى تبتوا منزلةً أعلى في سُلم المثقفين , يحسن أن تحفظ قاموساً من الشتائم, تسب من خلاله في كل مناسبة ملتزمٍ شريف, وتسخر من كل ذي خلقٍ عفيف, ويجب أن يعلو صوتك, ويرتفع صراخك, وتملأُ الدنيا ضجيجاً, وأنت تنادي بالتقدمية ، وتنادي بالمدنية ، وتنادي بالتبعية ، وتنادي بمحاكاة الكفار في عقائدهم الوثنية, وفي أخلاقهم السافلة, وفي سلوكياتهم المنحرفة , في مناهجهم البائسة, وفي فلسفاتهم المتخلفة, وفي معاملاتهم الجافة , في ظلمهم في بغيهم, في عدوانهم في فجورهم, في انحلالهم في تهكمهم .
هذا أحد مجانين الثقافة يقول: إنَّ الحضارةَ الأوربيةَ, حضارةُ مطلقة- بمعني أنها قابلةٌ للتطبيق في كل زمانٍ ومكان- بينما الحضاراتُ السابقة تاريخيةً نسبيةً
أتدرون ما يقصده هذا المثقف المجرم ؟ إنَّهُ يمجدُ الحضارةَ الأوربيةَ, ويرى قابليتها للتطبيق في كل زمان- أي إلى الأبد - وفي كل مكان, أي في كل شبر من أصقاع الأرض, بينما الحضارات السابقة بما فيها الإسلام, هي تاريخية نسبية ,أي لها أمد محدود من الزمان تنتهي عنده ,
ويقول مجرمٌ آخر من مثقفي آخر الزمان: من المستحيل أن نقبل تقنيات الغرب , ونرفض في الوقت نفسه فلسفاته وثقافاته .
إنه يريد أن يقصدنا, وكأننا أطفال صغار, بأننا إذا أردنا أن نستورد من الغرب الطائرة والسيارة, فيجب أن نستورد معها كل ما يتبناه الغرب, من عقائد وفلسفاتٍ, وأفكارٍ وأخلاقٍ يجب أن نستورد عقيدته في التثليث, وتقديس الصليب ,ونسبته الولد إلى الله جل جلاله .
ويجب أن نستورد مع الطائرة والسيارة فجور الغرب وطغيانه, وسفوله وانحطاطه, هذه ثقافتهم, وذلك إفكهم وما كانوا يفترون .
أخي المسلم: وحتى تصبح مثقفاً أكثر وأكثر ، وحتى تزداد ثقافةً, وتمتلئ ثقافة يحب أن تسافر كل إجازةٍ إلى أوروبا, حتى ولو استلفت قيمة التذكرة , يجب أن تزور أوروبا كلها, مرةً إلى باريس, وأخرى إلى روما, وثالثةً إلى مدريد, ورابعةً إلى فينيا , وإلا كيف ستقابل أصدقائك المثقفين ؟ بأي وجهٍ ستقابل أولئك الرحالة الأبطال ؟! ثم أي حرج ستوقع به زوجتك حين تجلس مع زوجاتهم, فيحدثنا عن برج أيفل, وساعة بيغ بن و مدام توسو, وهي لا تعرف من ذلك شيئاً .
ثم لا تنسى بارك الله فيك: حتى تكتسب مزيداً من الوجاهة بين الناس, أن تحشر في ثنايا حديثك معهم ألفاظاً باللغة الإنجليزية, وتعتذر قبيل كل كلمة أجنبية , تقولها تعتذر بالعبارة المشهورة, لا أدري ماذا تسمونه بالعربية !
أيها الأخ الكريم: إليك هذا المشهد من يوميات مثقف عربي, لتدرك أي سطحية وهامشية يمتاز بها أولئك ! فلقد حسب الواحد منهم لكي يكون مثقفاً, أن يجمع في مكتبته المتخلفة, ركاماً من الكتب الأنيقة, بلغات أجنبية متعددة, ويضيف إليها ديوان المتنبي, وأبي تمام, وبخلاء والجاحظ, وكليلة ودمنة, ثم يستيقظ التاسعة صباحاً ، فيدخل مكتبته, ثم تأتيه خادمته بالقهوة العربية, إذ أن من مستلزمات الثقافة, وشروط المثقف, أن يشرب قهوة أوروبية حتى لو كان لا يحبها, ثم يشعل سيجارته, ويقرأ الجريدة الصباحية الصادرة باللغة الإنجليزية, طبعاً أليس هو مثقفاً ؟! ليس المهم أن يحسن القراءة ، ليس المهم أن يفهم ما يقرأ, المهم أن يقرأ مع قهوة الصباح جريدة أجنبية, حتى لو أمسك بها بالمقلوب ! ثم يتصل بصديقة (وليم) ألا تعرفون (وليم) ؟! إنه صديقه الإنجليزي الذي تعرف عليه في لندن الصيف الفائت , وليم يرفع سماعة الهاتف, فإذا بصديقه المثقف يبادره بالتحية, قائلاً: صباح الخير يا مستر وليم, ألم تقرأ ما كتبته الديلي ميرور هذا الصباح ؟!
فيجيبه وليم دعنا منك يا صديقي العزيز, فأنا قلقٌ جداً, لأن جيمي لم يتناول طعامه البارحة جيداً ؟ وينزل الخبر كالصاعقة على المثقف العربي الكبير, فلا يكتم أنفاسه , يا للهول! جيمي لم يتناول طعامه جيداً ! ماذا جرى له طمأني أرجوك ! ألم تحضر له طبيباً ؟! بلى بلى أحضرت له طبيباً في الحال , لقد نام الآن بعد حقنةٍ مهدئةٍ , بقي أن تعرف أيها الأخُ الكريم, أن جيمي هو كلب العائلة المدلل - عياذاً بالله من الشيطان الرجيم (( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) ) (الأعراف:179) .بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم، واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين . أمَّا بعدُ:
أيها المسلمون: فممَّا تقدم ذكره تبين أي تبعية ذليلةِ , وأي عبوديةِ مهينة للرجل الأوروبي, يعيشها أولئك المأفونون ، يريدون إرضاءهُ بأي ثمن ، يقلدونهُ في طريقةِ مشيته لكي يرضى, يقلدونه في طريقة محادثته لكي يرضى, ويقلدونه في إعداده لقهوته لكي يرضى , ويقلدونه في هواياته لكي يرضى, ويقلدونه في تربيته لكلبه لكي يرضى , المهم أن يرضى عنهم كي يصبحوا مثقفين, ما لهم قاتلهم الله وللرجل الأوروبي, رضي أم سخط ,
ألا سحقاً لها من ثقافة, إن كانت ركائزها, قهوة غربية, وجريدة أجنبية .
ألا بُعداً لها من ثقافةٍ إن كانت ركائزها سياحة أوروبية, وجلسات غليونية إلا تباً لها من ثقافة إن كانت ركائزها ضعفاً في البصيرةِ, وهوساً في العقل, وتبلداً في الشعورِ, أفٍ لها من ثقافةٍ إن كانت ركائزُها تنكراً للإسلام, وحقداً على حملته, وهجوماً على حلته وشرعيته .
أمَّا نحن أتباع محمد r , فثقافتنا قرآنٌ وسنة, ثقافتنا قال الله وقال رسوله (( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) ) (آل عمران:85) .
ثقافتنا للإسلامِ خمسةٌ, وأصولٍ للأيمان ستة .
ثقافتنا (( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ ) ) (آل عمران:18) .
ثقافتنا (( وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ) ) (المنافقون:1) .
ثقافتنا (( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ) ) (البقرة: 43) .
ثقافتنا (( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) ) (البقرة: 185) .
ثقافتنا (( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) ) (البقرة: 196) .