فهرس الكتاب

الصفحة 7847 من 9994

إن الطَيِّبَ سبب للقبولِ ، واستجابة الدعاء ، كما أن الخبيث بضد ذلك ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ، فَقَالَ: { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } (51) سورة المؤمنون ، وقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } (172) سورة البقرة ، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ، يَا رَبِّ يَا رَبِّ ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ))رواه مسلم .قال بعض العلماء في قوله { كلوا من الطيبات واعملوا صالحا } : (( قدَّم الله الأكلَ على العمل ، لأن أكلَ الطيِّب يعين على كلِّ خير ، وأكلَ الخبيث يثبِّط عن كل خير ، ويفتح أبوابَ الشر والبلاء ) ).والأكل من الطيب ـ أيها المسلمون ـ سبب لدخول الجنة ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ أَكَلَ طَيِّبًا ، وَعَمِلَ فِي سُنَّةٍ ، وَأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ ، دَخَلَ الْجَنَّةَ ، فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ فِي النَّاسِ لَكَثِيرٌ ، قَالَ وَسَيَكُونُ فِي قُرُونٍ بَعْدِي ) )رواه الترمذي رحمه الله . قوله: ( بوائقه ) أي: شروره وفساده . ولقد كان السلف الصالح عليهم رحمةُ الله يتحرون الحلال ، ويتقون المتشابه ، طلبًا للسلامة في دينهم وأعراضهم ، عملاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ الْحَلاَلَ بَيِّنٌ ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ ، لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ ، اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ ، وَقَعَ فِي الْحَرَامِ ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى ، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى ، أَلاَ وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ ، أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً ، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ ) )رواه البخاري ومسلم ، واللفظ لمسلم .

فهذا أبو بكر رضي الله عنه تقول عنه عائشةُ ابنه رضي الله عنها كما في صحيح البخاري: (( كَانَ لأَبِي بَكْرٍ غُلامٌ يُخْرِجُ لَهُ الْخَرَاجَ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ ، فَقَالَ لَهُ الْغُلامُ: أَتَدْرِي مَا هَذَا ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لإِنْسَانٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَمَا أُحْسِنُ الْكِهَانَةَ ، إِلا أَنِّي خَدَعْتُهُ ، فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِه ) ). وذكر إن أبا حنيفة رحمه الله كان تاجر بَزّ ـ أي يبيع القماش والثياب ـ وكان له شريك ، فقال لشريكه يوماً: أخشى أن لا أكون حاضراً هذا اليوم ، ولكن البزّ الفلاني في بعضه خروق ، فإن بعتها فبيِّن للمشتري نقصَها حتى يكون على بينة من أمره ، وإن صاحبه باعها ولم يخبر المشتري بذلك ، فجاء أبو حنيفة فسأله ، فقال: بعتُه دون أن أخبر بما فيه من عيب ، قال: هل أطلعته ؟ قال: لا ، اشتراه مني وذهب ، قال: أتعرفه ؟ قال: لا ، قال: فإن نصيبي من هذا البزِّ صدقة لله ، لا أريد أن آكل ما أعلم أن فيه غشاً لأحد ، لأني أرشدتك أن تبيِّن له العيب فلم تبين له .هكذا كان الصالحون ، يطبقون على أنفسهم ما يعلمون قبل أن يقولوه للآخرين ، وهكذا بلغ بهم الصدق والأمانة والورع

مبلغاً نالوا به العزة في الدنيا ، والبركة في الرزق ، ولهم الثواب الحسن عند الله تعالى . عبادَ الله / بركةُ الرزق ليست بكثرتِه ، ولكن بركةَ الرزق أمرٌ يجعله الله في قلبِ العبد ، فيرضَى بما قسَم الله له ، قال النبي صلى الله عليه وسلم (( قد أفلح من أسلم , ورزِق كفافا,ً وقنّعه الله بما آتاه ) )رواه مسلم من أسباب بركةِ الرّزق ـ أيها المسلمون ـ تقوَى الله تعالى في كلّ الأحوال ، {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} [ الطلاق: 2 ، 3 ] ، وقال سبحانه: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مّنَ السَّمَاء وَالأرْضِ} [ الأعراف: 96 ] ، ومِن أسبابِ بركة الرزق صلةُ الرحم ، ففي الحديث: (( من أحبَّ أن يُنسَأ في أثره ويبسَط له في رزقه فليصِل ذا رحمِه ) )رواه البخاري ومسلم .ومن أسباب بركة الرزق الإنفاقُ في وجوه الخير والصدقةُ على المساكين والمحتاجين ، قال تعالى: {وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَىْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [ سبأ: 39 ] .فبركة الرزق في الدنيا ـ أيها المسلم ـ أن يخلفَ الله عليك عوضَه ، وبركته في الآخرة ما ينالك من الثواب العظيم ، في يومٍ أنت أحوج فيه إلى مثقال ذرّة من خير .نسأل الله تعالى أن يعيننا على أنفسنا ، وأن يخلّص مكاسبنا من كل حرام وشبهة . أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمد لله على فضله وإحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

فيأيها المسلمون: اتقوا الله تعالى واكتفوا بالحلال عن الحرام والمتشابه لعلكم تفلحون.معشر المسلمين_ لو خلا المسلم بنفسه وتفكر في كسبه لبلغ منه العجب كل مبلغ كيف يسوقه الشيطان إلى طرائق الكسب الحرام ويغريه بها وقد علم أن الرزق مقسوم لا يزيد فيه الخوض في الحرام، كما لا ينقصه الوقوف عند حدود الحلال. فقد روي عن جابر رضي الله عنه مرفوعا: ( لا تستبطئوا الرزق فإنه لم يكن عبد ليموت حتى يبلغ آخر رزق هو له ، فأجْملوا في الطلب: أخذ الحلال وترك الحرام ) رواه ابن حبان ، وجاء في الحديث ( لو فر أحدكم من رزقه أدركه كما يدركه الموت) رواه الطبراني .

لذا على المسلم أن يكتفي بالحلال ، وأن يتقي الشبهات ، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فقد كان على جانب عظيم من الورع وترك الشبهات كيف لا وهو قدوة الصالحين وأسوة الأتقياء والورعين . فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد تمرة في الطريق فقال: ( لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها ) رواه البخاري ومسلم . فليجتهد المسلم والمسلمة في ترك كل ما فيه شبهة استبراء لدينه وعرضه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت