ولما قام أسلافنا الأوائل بعوامل النصر ، و أوجدوها على أرض الواقع ، نصرهم الله في فترة وجيزة ، لقد كانوا يترجمون مثاليات الإسلام إلى واقع عملي ، فأصبحوا كأنهم قرآن يمشي على الأرض ، يروي الصحابة عن أنفسهم يقولون: لم يكن أحدنا يستكثر من القرآن ، إنما كنا نتعلم عشر آيات لانزيد عليهن حتى نعمل بما فيهن ، فتعلمنا القرآن والعمل جميعاً (1) .
فقد كانت كلمات القرآن وجمله بالنسبة لهم المنهج اليومي الذي يتلقاه المسلمون ليعملوا به فورا ، لا يتخلف منهم أحد ولا يتباطأ إنسان ، بل يتسابقون إلى ذلك ويتلقونه كما يتلقى الجندي في ثكنته ، أو في ميدانه ،أمر القائد فيعيه ويفهمه ويقوم مباشرة إلى التنفيذ .
ولذا برز جيل الصحابة رضي الله عنهم عندما أدركوا هذه القضية ، قضية الاهتمام بالعمل والمبادرة إليه وإن كان قليلا ، ورسخت في قلوبهم ، ولذلك حملوا على كواهلهم أعباء هذا الدين ودعوة الناس إليه ، واستعذبوا في سبيله أسمى آيات الصبر والتضحية ، وواصلوا ليلهم بنهارهم ، حتى حققوا لهذا الدين انتشاره ، ولهذا الدين انتصاره ، فما بين عشية وضحاها ، قامت للمسلمين دولة ، وتأسست لهم قيادة ، وأخضعوا لحكمهم المملكتين العظيمتين فارس والروم ، وامتد ظِلهم إلى بلاد السند شرقا ، وبلاد الروس شمالا ، ودخلت في عهدهم بلاد الشام ومصر وأفريقيا ، وذلك كله في خمس وثلاثين سنة ، وفي عهد بني أمية استبحر ملكهم ، وامتد سلطانهم ، وقد استطاع خليفة من خلفاء المسلمين أن يصور للعالم بسطة العالم الإسلامي ، فلم يجد غير أن يخاطب السحابة التي تمر به ولا تمطره ، فيقول هارون الرشيد:"أمطري حيث شئت فإن خراجك سيُحمل إلينا"
أيها الأفاضل:
إذن فيوم قام المسلمون بنصرة دينهم ، وجاهدوا أعداءهم بالحجة والبيان ، والسيف والسنان ، عزوا وسادوا ، و أذل الله تعالى لهم أعداءهم ،وكبت عدوهم ، وصارت العاقبة لهم ، وفتحت لهم الدنيا ، فحازوا كنوز كسرى وقيصر .
لابد أن ندرك أيها الأكارم أن هذه الأمة تمتلك مقومات السيادة والريادة ،فأي دين أعظم من دينها ، وأي شريعة أكمل من شريعتها ، وأي منهاج أكمل من منهاجها ، وأي نبي أكرم من نبيها ؟! وأي كتاب أعظم من كتابها ؟! وأي لغة أسمى من لغتها ؟!!
وإذا أتينا إلى العوامل الأرضية ..فإذ أرضها أفضل الأراضي ، وإذا بثرواتها أكثر الثروات ، وإذا بأعدادها تفوق المليار !! فلماذا إذن أمة المليار ذليلة مهينة ؟!! لماذا أمة المليار أصبحت أقل الأمم شأنا ، وأحقرها مكانا ، لماذا أصبحنا في مؤخرة الركب ، وفي ذيل القافلة ؟!!
أيها المسلمون:
ألا إن من أسباب ذلك والذي ستكون وقفتنا معه هذا اليوم ؛ أننا أصبحنا أمة صاحبة مفرقعات كلامية ، وظاهرة صوتية ، يطلقها الواحد منا في المجالس والمنتديات ، ثم يعود إلى حياته اليومية ، وكأن شيئا لم يكن !! لقد تخلى بعضنا عن العمل وأصبح همه القول والكسل .فماذا يجدي الكلام بلا عمل مدروس ؟! هل يعيد الكلام حقا ضائعا ، وحمى مستباحا ؟!! وهل يرد غازيا ؟! لقد كان الإمام مالك بن أنس رحمه الله يعيب كثرة الكلام ويقول:"لا يوجد إلا في النساء أو الضعفاء"وصدق القائل:
دقّ العدوّ من الحروب طبولا ... لكنْ قذفناه صدىً وعويلا
ماذا عسانا لو أثرنا ضجةً ... أتعيد موتى أو تردُّ قتيلا
لم تُرجع الأقوالُ حقاً ضائعا ... أو أسرجتْ يوم الجهاد خيولا
ما أكثرَ الندّابَ عند مصابنا ... صاروا إذا اشتد البلاءُ فلولا
إنا اكتفينا من صراخٍ لم يكنْ ... عند النوائب باترا مسلولا
الفعل والتخطيط أصدقُ همةً ... وأجلُّ مقدارا وأحسنُ قيلا
أيها المسلمون:
لقد امتلأت الساحة بالكلام ، لكن أين الذين يعملون ؟ أين الذين يتحركون بصمت ؟ أين الذين ينظمون و يخططون ويفكرون ؟ أين الذين يعملون بهدوء وروية ؟ أين الذين يسهرون في الأسحار لمعالجة أوضاع الأمة الكبار ؟ إننا لا ننكر وجود طائفة لكن كم نسبتهم ؟
إلى متى يظل هم الواحد منا الكلام في المجالس والمنتديات ولكن إذا جاء المحك ، وطلب منه العمل إذا به يتراجع ويتخاذل ، ويتعذر بأعذار واهية ، وحجج تافهة ؟
إننا نرى أُناسا فضلاء ؛ يتبرمون في مجالسهم من عورات المجتمع ونقائصه ، ولكن هل ترجموا تلك الأحاديث إلى برامج عملية لإصلاح الأوضاع ، والتغير بالجهد المستطاع ؟!!
هل استفادوا من الجهد الذي بذلوه في حديثهم عن الأوضاع المأساوية لطرح الحلول الناجعة ، وتقاسم الأدوار فيما بينهم ، أم أنها أحاديث تنتهي بانتهاء المجالس فحسب ؟!!
لله درك يا فتى ... لو كنت تفعل ما تقول
إننا أيها الأخوة نعمل..ولكن هذه الأعمال لا معنى لها ، فأحدنا يعمل في الوظيفة ليسدد أقساط البيت ويسكن في البيت لينام ويأكل ويشرب ، ويشرب ويأكل وينام ليستقوي على أداء العمل .... !، دوامة آلية ليس لها روح ، ولكن الغارق فيها قد يلهو حتى عن إدراك الخلل ... بل الخواء الذي يكتنفه .
أيها الأخ المبارك: سرح طرفك في كتاب الله تعالى لتقف على نماذج فذة ، وصورٍ رائعة من المبادرة إلى العمل ، دون التواني والكسل ،لقد ذكر القرآن قصة الرجل الذي جاء يسعى ليخبر موسى عليه السلام بما هم فرعون به فقال تعالى: (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى) لقد جاء هذا الرجل من أقصى المدينة فالمسافة بعيدة ، وجاء وهو يشتد ساعياً لضيق الوقت وخشية من تمكن العدو من موسى عليه السلام ، فهذا الرجل لم توهن إرادته العقبات ، ولم تثن عزيمته العوائق ، فلم يبق مكتوف اليدين ، ولم يقل لعل غيري يقوم بهذه المهمة ، ولم يقل أين دور العلماء ؟ أين عمل الأمراء ؟ بل قام هو بمبادرة من نفسه لتحذير موسى عليه السلام من كيد فرعون وبطشه .
وإبراهيم عليه السلام إمام الحنفاء ، خرج في أمة عم الشرك فيها وطم ، وعثت فيهم الوثنية وعبادة الأصنام ، فهل اكتفى بالشكوى ؟ هل اكتفى بالحوقلة ؟ كلا ؛ بل دعا وأنذر ، ووعد وحذر ، وحطم الأصنام بيده (وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ) .
وسألنا التاريخ هل في جعبته مواقف أخرى لأئمة الهدى ..فحدثنا قائلا كيف تنسون مواقف شيخ الإسلام ابن تيمية ، الذي جاهد المبتدعة بالحجة والبيان ، وجاهد التتار بالسيف والسنان ، لقد كان زمن شيخ الإسلام زمناً سيطر عليه الجمود ، وارتفعت فيه أصوات أهل الباطل ، مع هزائم متتابعة أمام التتار ، ولكنَّ شيخ الإسلام لم يسكت عن واقعه ؟ ولم يكتف بعيب الزمان ، وإلقاء اللائمة على غيره من المسلمين ، ولذا حفظ لنا التاريخ مواقف لشيخ الإسلام لا تنسى فرحمه الله رحمة واسعة .
أيها الفضلاء:
وإذا فتحنا صفحة أخرى لنطالع ما عليه أعداء الملة المحمدية ؛ إذ بنا نفاجأ بأنهم يترجمون أقوالهم عملياً ، ويخرجون من لقاءاتهم واجتماعاتهم بتوصيات تطبق على أرض الواقع .
قولوا لي أيها الناس أي أمة هي أحقر وأذل وأصغر وأقل من أمة يهود ؛ أعدادهم لا تتجاوز السبعة ملايين ومع ذلك استطاعوا أن يسيطروا على أقوى الأسلحة في العالم فأي دولة تمتلك رؤوساً ننووية كيهود ؟ وأي دولة تملك السلاح الإعلامي كيهود ؟ وأي دولة تملك الأرصدة الفلكية كيهود ؟ فكيف وصلوا إلى ما وصلوا إليه ؟ هل وصلوا إليه بالمهاترات الكلامية ، والحوارات الفلسفية ؟
وكم يتعجب المرءُ عندما يرى أمة وثنية ؛ اتخذت من الشدائد منطلقاً لرقيها ومزاحمتها لأشد أعدائها,دون أن تستسلم للهزيمة النفسية ، والإحباط المعنوي .