أما بعد: فاتقوا الله معاشر المسلمين واخشوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون.
إخوة الإيمان من أيام موسى عليه السلام وما حصل له ولبني إسرائيل من الأذى والعذاب على يد فرعون وملأه، إلى غزوة أحد وما وقع فيها من شدة على الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على أيدي الكافرين، أنتقل بكم للحديث عن أحوال العالم الإسلامي في القرن السابع الهجري يوم أن ضعف سلطان المسلمين، وتفرقت كلمتهم، وأثقلتهم خطاياهم، وتنازعوا أمرهم بينهم، حينها خرجت جحافل المغول المتوحشة تسفك الدماء، وتقتل الأبرياء، وتهتك أعراض النساء، وتستولي على الممتلكات والضياع دون راح أو حياء، في مشاهد بشعة تكاد تنكرها العقول لولا ثبوتها، ولهولها وشدتها ظنت طوائف من المسلمين بالله الظنون، وربما خيل لبعضهم أن شجرة الإسلام قد اجتثت من أصولها، وأن بذرة المسلمين قد استؤصلت من جذورها، بل بالغ البعض فظن في تلك الحوادث المؤلمة نهاية العالم، واعتبرها آخرون أشد من فتنة الدجال، أجل لقد بقي المؤرخ ابن الأثير- وهو شاهد عيان لبعض أحداثها- عدة سنين معرضاً عن ذكر هذه الحادثة
استعظاماً لها، كارهاً لذكرها وهو يقول: فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل هذا أو كنت نسياً منسياً إلا أني حدثني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها، وأنا متوقف ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعاً.. فلو قال قائل: إن العالم منذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم- عليه السلام- وإلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقاً ( [2] ) .
وبالله لاشك أن من يجيء بعدنا إذا بعد العهد ويرى هذه الحادثة مسطورة ينكرها ويستبعدها، والحق بيده، فمتى استبعد ذلك فينظر أننا سطرنا نحن، وكل من جمع التاريخ في أزماننا هذه في وقت كل من فيه يعلم هذه الحادثة، استوى في معرفتها العالم والجاهل لشهرتها، يسر الله للمسلمين والإسلام من يحفظهم ويحوطهم، لقد دفعوا من العدو إلى عظيم، ومن الملوك المسلمين إلى من لا تتعدى، همته بطنه وفرجه ( [3] ) .
هذا الوصف من ابن الأثير وهو بعد لم يشهد الفاجعة العظمى والمصيبة الكبرى لسقوط بغدار ونهاية الخلافة الإسلامية الكبرى على أيدي العباسيين، ويقول ذلك وهو لم يعلم بتجاوز التتر بلاد العراق إلى بلاد الشام وما حصل فيها من المآسي والآثام، تلك الأحداث التي يصفها بجلاء، ويشخص فيها أحوال الناس، ويصور مشاعرهم ومواقفهم بدقة وخبرة شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله حين يقول: فينبغي للعقلاء أن يعتبروا بسنة الله وأيامه في عباده ودأب الأمم وعاداتهم، لاسيما في مثل هذه الحادثة العظيمة التي طبق الخافقين خبرها، واستطار في جميع ديار الإسلام شررها، وأطلع فيها النفاق ناصية رأسه، وكشر فيها الكفر عن أنيابه وأضراسه، وكاد فيها عمود الكتاب أن يجتث ويخترم، وحبل الإيمان أن ينقطع وينصرم وعقر دار المؤمنين أن يحل بها البوار، وأن يزول هذا الدين باستيلاء الفجرة
التتار، وظن المنافقون والذين في قلوبهم مرض أن ما وعدهم الله ورسوله إلا غروراً، وأن لن ينقلب حزب الله ورسوله إلى أهليهم أبداً.. ونزلت فتنة تركت الحليم فيها حيران، وأنزلت الرجل الصاحي منزلة السكران، وتركت اللبيب لكثرة الوساوس ليس بالنائم ولا اليقظان، وتناكرت فيها قلوب المعارف والإخوان، حتى بقي للرجل بنفسه شغل عن أن يغيث اللهفان، وميز الله فيها أهل البصائر والإيقان من الذين في قلوبهم مرض أو نفاق أو ضعف إيمان، ورفع بها أقواماً إلى الدرجات العالية، كما خفض بها أقواماً إلى المنازل الهاوية، وكفر بها عن آخرين أعمالهم الخاطئة، وحدث من أنواع البلوى ما جعلها قيامة مختصرة من القيامة الكبرى ( [4] ) .
معاشر المسلمين: هذا جزء من وصف ابن الأثير وابن تيمية رحمهما الله- لهذه الحادثة الكائنة وهو يكشف لكم عن استمرار البلوى والامتحان لأهل الإيمان عبر الزمان والمكان، ويكشف من جانب آخر اختلاف مواقف الناس حين الشدائد والمحن، وكيف يثبت الله المؤمنين، ويفضح المنافقين، ويكشف حقد الكافرين، وكيف يرفع بها أقوام، وتحط من خطاياهم، ويزل بها آخرون وتكون فتنة لهم، يقول شيح الإسلام- في بقية وصفه- من الناس من أقصى همته النجاة بنفسه لا يلوي على ماله ولا ولده ولا عرضه- بعد أن تحدث عن أصناف الناس في هذه المحنة-"ولم تنفع المنفعة الخالصة من الشكوى إلا الإيمان والعمل الصالح والبر والتقوى، وبليت فيها السرائر وظهرت الخبايا، وتبين أن البهرج من الأقوال والأعمال يخون صاحبه أحوج ما كان إليه من المال، وذم سابقه وكبراءه من أطاعهم فأضلوه السبيل، كما حمد ربه من صدق ما جاءت به الآثار النبوية.. إلى أن يقول وتحزبت الناس ثلاثة أحزاب: حزب مجتهد في نصر الدين وآخر خاذل له، وآخر خارج عن شريعة الإسلام.." ( [5] ) .
أيها الإخوة المؤمنون فإن قلتم: وهل وقع في هذه المحنة ما يستوجب هذه الوحشة وذلك الفرق والذهول لأهل الإسلام؟ أجبت أن نعم وإليكم نماذج لما حصل.
ففي بخارى المسلمة دخل التتر عنوة، وطلب أهلها الأمان، فأظهر لهم (( جنكيز خان ) )العدل وحسن السيرة وهو يروم غير ذلك، إذ أمر بالتوجه إلى قلعتها الحصينة التي احتمى بها طائفة من العسكر لم يتمكنوا من الهروب مع أصحابهم، وطلب من أهل البلد الخروج معه لمحاصرتها ومن تخلف عنه قتل، فكانت تلك بداية الاستخفاف والاستذلال، فخرجوا خوفاً من بطشه، وأمرهم بردم الخندق المحيط بالقلعة ففعلوا، وبلغ من سوء التتر واستهتارهم أن استخدموا كل شيء في ردم هذا الخندق حتى ألقيت المنابر وربعات القرآن في الخندق، وبعد قتال مرير دخلوا القلعة وقتلوا جميع من احتمى بها من المسلمين، ولم تقف المأساة عند هذا الحد، بل عادوا مرة أخرى إلى البلد يقتلون ويأسرون ويفسدون، حتى قال ابن الأثير: وكان يوماً عظيماً من كثرة البكاء من الرجال والنساء والولدان.. ورضي بعض المسلمين بالقتل دون ذلك الفساد لاسيما أهل العلم والفقه والدين ( [6] ) .
وفي سمرقند نصب التتر كميناً لأهلها، فوقع في شراكهم سبعون ألفاً من المسلمين قتلوا في غداة واحدة شهداء ( [7] ) .
ثم عادوا إلى البقية الباقية من أهلها يقتلون ويأسرون ويفسدون، فهدمت المساجد وفضت الأبكار، وعذبوا الناس بأنواع العذاب.
أما في (( مرو ) )فأحصي ما قتلوه في يوم واحد فبلغ سبعمائة ألف إنسان- كما نقل ابن كثير ( [8] ) .
وفي نيسابور ذبح المغول جميع أهلها، وحتى يتأكدوا من هلاكهم جميعاً قطعوا رؤوسهم، وعملوا منها ثلاثة أهرامات، هرماً لرؤوس الرجال وهرماً لرؤوس النساء، وثالثاً لرؤوس الأطفال ( [9] ) .
إخوة الإيمان:هذه المآسي كلها وأمثالها، دون مأساة بغداد- التي تحتاج إلى حديث خاص- خلفت- في بدايتها- جواً من الرعب والضعف والمسكنة يصف لنا ابن الأثير بعض مظاهره ويقول: حكى لي رجل قال: كنت أنا ومعي سبعة عشر رجلاً في طريق، فجاءنا فارس من التتر وقال لنا: حتى يكتف بعضنا بعضاً، فشرع أصحابي يفعلون ما أمرهم، فقلت لهم: هذا واحد فلم لا نقتله ونهرب؟! فقالوا: نخاف، فقلت: هذا يريد قتلكم الساعة فنحن نقتله فلعل الله يخلصنا، فوالله ما جسر أحد أن يفعل، فأخذت سكيناً وقتلته وهربنا فنجونا ( [10] ) .
ويذكر المؤرخون أن رجلاً من التتر أخذ رجلاً من المسلمين ولم يكن مع التتري ما يقتله به، فقال له: ضع رأسك على الأرض ولا تبرح ففعل حتى جاء التتري بسيف وقتله به ( [11] ) .