هل سمعتم -أيها العقلاء- أنَّ جمعاً من الرويبضات يفاوضون على تقرير مصير أمة، وتغيير تاريخ أجيال، وذلك تحت شعار: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} سورة الأنفال (61) ؟!. إنه لن يكون حال الأمة أسوأ ولا أقبح من حالها حينما يعلو الزبد، وما ينفع الناس يذهب جفاء، حينما ينطق فيهم الرويبضة ويصول ويجول، وتخلو له الساحة؛ حينئذ: (ويل للعرب من شر قد اقترب) 3، ويل لهم من شر غائب ينتظر. وليس لها من دون الله كاشفة، ففروا -عباد الله- إلى الله, واعملوا بالشرع وأحكامه، وبه زنوا الأمور والأحداث والأشخاص، وإياكم والانتكاس، إني لكم نذير مبين4. وأقول ما سمعتم واستغفر الله لي ولكم،إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد الله الواحد الأحد، الذي ي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله بلا حصر ولا عدد، وعلى آله وصحبه ما ركع راكع لله وسجد، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم المزيد.
أيها المُوحِّدُون: من العجيب أنَّ الكفار أصبحوا يتكلمون بلسان أمة الإسلام، فنصبوا أنفسهم وكلاء على المسلمين، وكأنَّ المسلمين لم يبلغوا سن الحُلُم، أو ما أشبه ذلك، فلقد أصبحوا يفاوضون, بل ويحكمون بأن على الفلسطينيين أن يكفوا عن عملياتهم كما يصفونها بالإرهابية، وعليهم.. وعليهم..!.- ولا حول ولا قوة إلا بالله-. فأصبح الكفار هم العقلاء والمسلمون ليسو كذلك!.
أيها المسلمون: إنه ما تسلط علينا أولئك الأراذل من الكفار وغيرهم إلاَّ أننا تخلينا عن ديننا، وعصينا أمر ربنا، وركنا إلى هذا الحياة الدنيا، فسلط الله علينا شرار خلقه ليذيقنا بعض أعمالنا، ولعلنا نعود إليه ونتوب، ولكننا مع كل هذه المحن والرزايا، وإحداق الخطوب بنا من كل حدب وصوب، وضيق الأرض بنا بما رُحبت، وقلَّ المناصرون، وكثر المثبطون والمرجفون، وزمجر الفساد والمفسدون، وشُجع المبطلون، وكبت أهل الحق والدين، وتخلى الأمناء الشرفاء، ورفع السفهاء، وتظاهر بالوفاء كل خوان، ونطق الرويبضة، وغدى القرد ليثاً، وأفلتت الغنم، فلنرفْع أيدينا إلى من قال جل في عليائه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} سورة غافر (60) . ولنصدق التوبة، ولنعترف بالخطأ، ولنندم على فعله، ولْنعْزم على عدم العودة إليه، ولْنتضرع إلى الله، ولْنتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته، وبما عملناه من عمل صالح، ولْنناجيه ولْنقل:
يا من أجبت دعاء نوح فانتصر ... *** ... وحملته في فلكك المشحون
يا من أحال النار حول خليله ... *** ... روحاً وريحاناً بقولك كون
يا من أمرت الحوت يلفظ يونسا ... *** ... وسترته بشجيرة اليقطين
يا رب إنا مثلهم في كربة ... *** ... فارحم عباداً كلهم ذو النون
اللهم إنا نسألك في هذه الساعة المباركة باسمك الأعظم الذي إذا سألت به أعطيت، وإذا استرحمت به رحمت، أن تجيرنا من النار، وأن ترزقنا ألسنة ذاكرة، وقلوباً خاشعة، وأعيناً مدرارة، وإيماناً نجد حلاوته يوم أن نلقاك. رباه إن حالنا لا يخفى عليك، وذلنا ظاهر بين يديك، والمسلمون عبيدك وبنو عبيدك وحملة كتابك وأتباع رسولك يرجون رحمتك ويخشون عذابك. رباه لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. اللهم إن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفرطين ولا مفتونين5. وسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
1 -رواه أحمد وابن ماجه والحاكم وهو في الصحيحة رقم (1887) .
2 -النهاية في غريب الحديث (2/185) .
3 -جزء من حديث أخرجه البخاري ومسلم.
4 -انظر مجلة الأصالة. العدد السابع. صـ (9- 12) . مع الحذف والزيادة.
5 -بتصرف من شريط لفضيلة الشيخ/علي بن عبد الخالق القرني- حفظه الله- بعنوان:"هكذا علمتني الحياة (2) ."